#adsense

خلل في الحكم··· يُهدّد المعادلة الوطنية!

حجم الخط

ثمة <خلل ما> في إدارة شؤون الحكم وشجونه، يبدأ بغياب الجهود الجدية لتعزيز تجربة الحكومة الإئتلافية، وترسيخ أسس هدنة سياسية فعلية قابلة للاستمرار، ويشمل هذا الخلل التعثّر الحاصل في ترتيب برنامج الأولويات، وافتقاد الرؤية في التصدّي للأزمات المتراكمة، فضلاً عن تفشي ظاهرة التفرّد، وعدم التنسيق بين مرجعيات القرار السياسي والرسمي، وما يعني ذلك من حصول تباينات في ما بينها حول معالجة الملفات الشائكة!·

وما يُؤكّد هذه الصورة الدراماتيكية للوضع السياسي في البلد، هذه الخلافات المحتدمة حول القضايا المطروحة، وما تفرزه من سجالات حادّة، حتى بين الحلفاء، وقيادات الصف الأوّل، على نحو ما حصل بين الرئيس نبيه برّي و <حليفه> اللدود ميشال عون، ضاربة بذلك كل قواعد الحوار، ومتجاوزة بأشواط أصول إدارة الاختلافات السياسية بروح ديمقراطية، وفي إطار المؤسسات الدستورية، وخاصة مجلس الوزراء ومجلس النواب!·

* * *
والخطورة في استمرار هذا الوضع المتردي، تكمن في كون البلد على عتبة جملة من الاستحقاقات المهمة، بل بعضها يتخذ طابعاً تأسيسياً في تطوير النظام السياسي، وفي تحديث صيغة العيش المشترك بين اللبنانيين، بما يُفترض انه يُساعد على تجنيب البلاد والعباد الخضات الطائفية والمواجهات الشارعية كل عقد ونيّف من الزمن·

من تشكيل هيئة إلغاء الطائفية السياسية، إلى تخفيض سن الاقتراع إلى 18 سنة، إلى استعادة الجنسية لعشرات الآلاف من اللبنانيين المغتربين، إلى تمكين اللبنانيين العاملين في الخارج من الاقتراع في البلدان التي يتواجدون فيها، إلى إجراء الانتخابات البلدية في موعدها، ثم وقبل كل ذلك إلى الإسراع في إنجاز التعيينات، وإطلاق ورشة إعادة تفعيل المؤسسات والإدارات العامة، إلى معالجة مشاكل قطاعي الكهرباء والاتصالات، إلى التصدي للأزمات المعيشية التي فاقمت تعقيداتها الأضرار التي سبّبتها العواصف والفيضانات والسيول في المناطق الريفية الفقيرة··· إلى آخر السلسلة الطويلة من المشاكل والهموم، والتي تشكل كل واحدة منها تحدياً صارخاً أمام قدرة الدولة على التصدي، وإيجاد الحلول المناسبة لها·

* * *
لم يعد مهماً أن تُعقد جلسة مجلس النواب اليوم، حتى ولو توفّر لها النصاب القانوني المطلوب، وهو كان أمراً مستبعداً حتى مساء أمس على الأقل، ولم يعد مهماً مصير التصويت على مشروع قانون تخفيض سن الاقتراع في الانتخابات البلدية المقبلة إلى 18 سنة، طالما غابت عن الجلسة والتصويت على المشروع المطروح أجواء التوافق المطلوب لتمرير مثل هذه القوانين بإجماع وطني يحفظ للمعادلة الوطنية توازناتها الدقيقة، ويصون المبادئ الميثاقية التي قام على أساسها النظام السياسي اللبناني·

صحيح أن تشكيل هيئة إلغاء الطائفية السياسية هو بند ميثاقي ونص عليه الدستور في المادة 95·

وصحيح أن تخفيض سن الاقتراع خطوة نوعية على طريق تحديث العملية الانتخابية وإشراك الشباب فيها·

ولكن الأصح أيضاً أن طبع مثل هذه الخطوات قبل تأمين الوفاق عليها يكون أشبه بوضع العربة أمام الحصان· وهذا ما جسّدته ردود الفعل الصاخبة على اقتراحات الرئيس نبيه بري الذي لم يتشاور لا مع الحلفاء ولا مع <الأصدقاء الجدد>، وسارع إلى التحرك بمعزل عن المؤسسة التشريعية التي يرأس، ومن دون الاهتمام باختيار التوقيت المناسب لمثل هذه الطروحات!·

لقد أكّد اتفاق الطائف على أهمية الوفاق في اتخاذ القرارات المصيرية، وكرّس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في الوظائف العامة، متجاوزاً بذلك مفاهيم الأكثرية العددية، حفاظاً على استمرار معادلة العيش المشترك بين اللبنانيين، وإسقاطاً لكل الطروحات التي سادت خلال سنوات الحرب وهدّدت وحدة البلد ارضاً وشعباً ومؤسسات·

وليس خافياً على أحد أن التفرّد أو التسرع بطرح بعض المسائل الحسّاسة، واعتماد الانتقائية في السعي لتنفيذ ما لم ينفذ من بنود الطائف ودستوره، حتى الآن، من شأنه أن يُطلق هواجس شريحة مهمة من اللبنانيين، خاصة المسيحيين، الأمر الذي قد يعود بنا إلى متاهات الطروحات الخبيثة والمضرّة، مثل الفيدرالية واللامركزية السياسية والمالية والأمنية، بما يؤدي إلى ضرب صيغة لبنان الواحد!·

* * *
إن التصدي المخلص للإشكاليات المزمنة في النظام اللبناني يقضي بتجاوز أجواء التحدّي والخلاف المحيطة بجلسة مجلس النواب اليوم، والعودة إلى مساحات الحوار بين الأطراف السياسية المعنية للتوافق على برنامج مدروس لتطبيق ما تبقى من بنود اتفاق الطائف، بما يحافظ على سلامة المعادلة الوطنية، ويوفر المزيد من الاطمئنان والارتياح لكل الطوائف اللبنانية، في إطار صيغة وطنية شاملة تقوم على مراعاة قواعد التوازن التي تحققت على أساسها التسويات الكبرى في تاريخ البلد، والتي كان آخرها تسوية الطائف·

فهل من يُبادر إلى إصلاح الخلل الحاصل في إدارة شؤون الحكم وشجونه، قبل أن ينخر سوس الخلافات المعادلة الوطنية من أساسها؟!·

المصدر:
اللواء

خبر عاجل