هل كان اللبنانيون ينتظرون كارثة جوية كسقوط الطائرة الاثيوبية حتى يشعروا بأن المصيبة وحّدتهم؟ فالطائرة حملت عشرات اللبنانيين العاملين في افريقيا من جميع الملل. كان بينهم المسلم والمسيحي، وقد قضوا معا في طائرة انشطرت الى اربعة اجزاء قبل ان تبتلعها امواج البحر. المصيبة هي التي جمعت اللبنانيين. حتى الذين تابعوا من بعيد شعروا بأنهم خسروا شيئا منهم. خسروا شيئا من لبنان. ولا ننسى المواطنين الاثيوبيين والسيدة بييتون زوجة سفير فرنسا الآتي حديثا الى لبنان. واتوقف بحزن وألم شديدين عند خسارة صديقي الشيخ خليل نامي الخازن.
قبل سنوات سقطت طائرة لبنانية في مدينة كوتونو. ومع الفارق في الظروف بينها وكارثة البارحة، اذكر ان الشعور بالخسارة نفسه انتابني. وقد كتبت الى سيدة فقدت زوجها في طائرة كوتونو وهي في سنوات زواجها الاولى وعزيتها بضحايا الطائرة الاثيوبية، وقلت: ذكرتني حادثة اليوم ومشاهد الالم التي اجتاحت اهالي الضحايا بما مررتم به قبل سنوات في كوتونو، فما أصعب أن يفقد الانسان عزيزا يموت بعيداً عن اهله وهو يلاحق لقمة عيشه. وما أصعب أن يودع المرء حبيباً على أمل لقاء قريب فلا يأتي الموعد! اكثر من ذلك، وبصرف النظر عما يمكن ان يفرق بين اللبنانيين، فإن هؤلاء الذين تركوا بلدهم ليلحقوا بلقمة العيش في اقاصي الارض، هم أمثولة لنا نحن أبناء الوطن المقيمين بالشجاعة والاقدام. وموتهم هو في جانب معين موت فينا.
واليوم وبعد ان وقعت كارثة الطائرة، وفيما يكاد ان يسلم الجميع بأن الظروف الجوية هي التي تسببت بها، فإن متابعة البحث عن الجثث لأكثر من 24 ساعة امر بديهي، على ان تترافق المسألة مع تجميع لكل الادلة القائمة على قطع الطائرة المتناثرة وفي مقدمها العلبة السوداء التي لن يصعب انتشالها قبالة الشاطئ، وخصوصاً أن لبنان ليس وحده، بل انه يحصل على معونة من اسطول "اليونيفيل" والاسطول السادس على حد سواء. ولكن لا بد، من أسئلة لجلاء حقيقة ما حصل: من يتحمل مسؤولية سقوط الطائرة؟ هل كانت العاصفة القوية التي ضربت لبنان ليل الاحد – الاثنين تستدعي قرارا من سلطات الطيران المدني بتعليق الطيران في مطار رفيق الحريري الدولي؟ وما هي مسؤولية قائد الطائرة الاثيوبية في الحادثة، وخصوصاً أن ثمة شائعات تفيد أنه لم يمتثل لتعليمات برج المراقبة في بيروت بتعديل خط سيره؟
كثيرة الاسئلة التي ستتزاحم خلال التحقيق. وعظيمة هي آلام اهالي الضحايا الذين ربما لن يستعيدوا جثامين ابنائهم. ولكن المفارقة انه في يوم كانت الاطياف اللبنانية تتحضر فيه لصدام سياسي حول قضية خفض سن الاقتراع، جاءت المصيبة لتوحد القادة، اقله في المشهد الآني. اما اللبنانيون فموحدون في الالم والحزن تماما كما يوحدهم الفقر والحاجة الى المأكل والملبس والمدرسة. ويا للاسف، سيمرّ بعض الوقت فيعود القديم الى قدمه.