لأنّ إحياء ذكرى الرئيس الشهيد عملٌ وطنيّ ولأنّ تظهير الإنجازات واجب ولأنّ تأكيد "الوصل" في وجه الأخطار مطلوب
14 شباط: مناسبةٌ لتجديد "شبكة الأمان" الداخلية
بعد أقل من أسبوعين، تحلّ ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط.
لقد دأبت حركة 14 آذار منذ العام 2005 على إحياء هذه الذكرى – الوطنية سنوياً باحتشاد جماهيري مليونيّ في "ساحة الشهداء" في قلب العاصمة بيروت. فهل ثمة ما يبرّر إعادة النظر، هذا العام، بهذا "التقليد" باتجاه نوع من الانكفاء نحو إحياء الذكرى بطريقة أخرى؟
تهافت مقولة "تغيّر الظروف"
الدافعُ الى هذا السؤال، هو أن مشكّكين بـ"معنى" الذكرى أو بوجود قرار 14 آذاري بإحيائها أو بـ"القدرة" على تأمين احتشاد جماهيري يليق بها، وهو أن بعض المتردّدين، يطرحون في وجه الإحياء الجماهيري مقولة "تغيّر الظروف السياسية" بين الأعوام السابقة والعام الحالي. وبحسب هؤلاء المشكّكين والمتردّدين، فإن في البلد مناخاً من التهدئة والوفاق من شأن الاحتفال الجماهيري بالمناسبة أن يعكّره من جهة، وإن العلاقات اللبنانية السورية مختلفةٌ هذا العام عنها في السنوات الماضية من جهة أخرى. ويقولون إن ذكرى 14 شباط بين 2005 و2009 لطالما تحوّلت الى مناسبة "ضدّ الآخر"، أي الى مناسبة ضدّ الفريق الآخر في لبنان وضدّ سوريا أيضاً.
في تسديد للحساب مع هذه المزاعم، لا مفرّ من القول إن ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري ما تمّ إحياؤها في السنوات الخمس المنصرمة إلاّ من زاوية تأكيد احترام اللبنانيين لشهادة رفيق الحريري ورفاقه وسائر شهداء "ثورة الأرز" في سبيل لبنان المستقل من ناحية وإلاّ تحت عناوين وشعارات وطنية جامعة من ناحية ثانية وإلاّ تشديداً على إنجازات "لبنانية" متحقّقة أو قيد الإستكمال والتحقّق من ناحية ثالثة. ولم "توجّه" الاحتفالات السنوية بالذكرى ضد أي فريق لبناني آخر بدليل أن العام 2005 عام الغليان والانتفاضة شهد قيام "التحالف الرباعي الانتخابي" الذي كان من وجهة نظر فرقاء في 14 آذار محاولةً للتأسيس لـ"تسوية" لبنانية.. لم يُكتب لها النجاح فيما بعد. أي أن الاحتفالات السنوية بالذكرى ما "ظهرت" بوصفها احتفالات لـ"فئة" لبنانية إلا لأن "الفريق اللبناني الآخر" إتخذ مواقف سلبية منها ومن ناسها ومن عناوينها، ولأن هذا الفريق سلك حيَالها مساراً إستفزازياً أو إنقلابياً.. أو هادفاً الى وأد شُعلتها، سواء في مواقفه من المحكمة الدولية أو مواقفه حيال الميثاق والدستور أو ممارساته لا سيما ما سُمي "الاعتصام" في وسط بيروت وصولاً الى استخدام العنف في العام 2008. أما سوريا، فليس خافياً أنها كانت في تلك السنوات في موقع المبادرة الى معاداة 14 آذار وإنتفاضة الاستقلال وقالت فيهما كلاماً "كبيراً" كان كل عام يضاف الى "ذكريات" سنوات الوصاية.
سِجلّ 14 آذار في السنوات الماضية
إذاً، ليس صحيحاً البتة ان 14 آذار، في إحيائها السنوي لذكرى شهيد الاستقلال اللبناني، كانت تحتفل ضد "اللبناني الآخر"، في حين كانت على الدوام في موقع ردّ الفعل حيال سوريا. وعلى أي حال، فإن مراجعة دقيقةً ومنصفة لمرحلة الأعوام الخمسة الماضية، كفيلةٌ بإثبات أن 14 آذار سعت الى تسويتَين، واحدة مع اللبناني الآخر ووثائقها تؤكد ذلك، وثانية مع سوريا ووثائقها تؤكد ذلك أيضاً. أما ما يُسمى "الإتهام السياسي" لسوريا في الاغتيالات التي ضربت لبنان، فقد أخلى مكانه تدريجاً لقرارين إتخذتهما 14 آذار بوعي سياسي عميق. الأول هو قرار فصل العلاقة بسوريا عن مجريات التحقيقات في جرائم الاغتيال، والثاني هو قرار التسليم بالمحكمة الدولية وبما ستخلص إليه.
ذكرى 14 شباط هذا العام
من هنا، وبعد تسديد الحساب مع المزاعم المشار إليها آنفاً، يصبح من المنطقي تماماً تأكيد أن إحياء ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري جماهيرياً هذا العام أيضاً، لن يشذّ عن السياق العام للاحتفالات السنوية الماضية.
أما الكلام عن ظروف متغيّرة هذا العام، فينبغي أن يكون موجّهاً الى من ناصبوا الذكرى والمحتفلين بها سابقاً و14 آذار عداء ظاهراً أو مضمراً، كي لا يناصبوها العداء نفسه في 14 شباط المقبل. فأن يكون وفاقٌ في البلاد، فذلك سببٌ أدعى كي يتمّ إحياء المناسبة من ناحية وكي يتعاطى من لم يشترك في إحيائها سابقاً بـ"وفاقية" معها هذا العام. أي أن 14 شباط مناسبةٌ لتأكيد هذا الوفاق "المفترض". هذا مع العلم أن الأدق القول إن في البلد إتفاقاً عاماً على معالجة الخلافات. فذلك أدقّ من الكلام عن وفاق متحقق. وأن تكون في البلد تهدئة، فإن إحتشاداً جماهيرياً سلمياً لا يضرها. هذا مع العلم أن التهدئة لا تُلغي التعبير السياسي الحر من جانب كل فريق. وأن تكون العلاقات اللبنانية السورية مختلفة هذا العام عمّا كانت عليه سابقاً، فذلك أدعى للتشديد على تطوّرها.. ولوضع إختلافها وتطوّرها في خانة المكتسبات اللبنانية "العامة"، لا أن تُشطب حركة 14 آذار من المعادلة السياسية الوطنية التي شاركت فيها فساهمت في وضع العلاقات اللبنانية السورية على سكّة "مختلفة".
الإنجازات و"الوصل" الإسلامي ـ المسيحي
لكل الأسباب السالفة الذكر، ثمة قرارٌ متخذ من جانب الرئيس سعد الحريري وقوى 14 آذار بإحياء الذكرى جماهيرياً في 14 شباط المقبل. بيد أن ثمة سببين سياسيين رئيسيين يستدعيان مزيداً من التركيز والتشديد.
في 14 شباط المقبل، كما في 14 شباط من السنوات الماضية، سيُعلن اللبنانيون اعتزازهم بالرئيس الشهيد رفيق الحريري، عنوان الاستقلال اللبناني الثاني، وسيؤكدون أنهم لن ينسوه ولن ينسوا هذه الصفحة من تاريخهم. وسيؤكدون تمسكهم بـ"الحركة الوطنية" اللبنانية الاستقلالية التي ولدت قبل خمس سنوات خلف دماء رفيق الحريري ورفاقه، تلك الحركة التي تنهض على "الوصل" بين المسلمين والمسيحيين اللبنانيين، والتي شكلت وتشكل حزام أمان لبنانياً. وسيعلنون فخرهم وتشبثهم بالإنجازات: نهاية النظام الأمني الاستبدادي، نهاية الوصاية، المحكمة الدولية، والمسار الديموقراطي الذي افتتحوه. وسيركزون على إستكمال إنجازاتهم تلك، أي على ضرورة تتويجها بقيام الدولة.
"شبكة الأمان"
لكن من المفترض أن 14 شباط هذا العام، يحل على إيقاع توتر إقليمي عالٍ، توتر يخشى معه اللبنانيون على وطنهم، في ظل التهديدات الإسرائيلية من ناحية والأزمات الإقليمية المتعددة من ناحية أخرى. وإذا كان لبنان، بجهود دولته والمسؤولين، تلقى نوعاً من التطمينات بشأن ضغوط لمنع إسرائيل من تنفيذ تهديداتها.. ومن الحرب، فليس من شك أن هذه التطمينات الدولية على أهميتها، إنما هي تطمينات "موقتة" بمعنى أن لا "ضمانات نهائية" من حرب تستهدف لبنان، وتتحدد بالعلاقة مع تطورات يمكن أن تحصل في الإقليم. ولذلك، فإن إحياء ذكرى 14 شباط جماهيرياً، هو مناسبة لإعادة تظهير التشارك الإسلامي المسيحي والتأكيد عليه، ولتجديد "شبكة الأمان" الداخلية.
الى 14 شباط إذاً.. الى ضريح الرئيس الشهيد.. الى ساحة الحرية بمئات الآلاف.