قدر اللبناني أن يشد الرحال، ولو الى أقاصي الارض، بحثاً عن لقمة العيش وعن حياة حرّة كريمة له وعائلته، والاغتراب هو صفة من صفات اللبنانيين، حتى أن هذا الوطن يكاد يكون الدولة الوحيدة في هذا العالم من حيث أن عدد سكانه المقيمين لا يتجاوز الاربعة ملايين، بينما تعداد اللبنانيين في عالم الاغتراب يصل الى أكثر من 15 مليوناً، يتوزعون في اميركا اللاتينية والشمالية وافريقيا واوروبا، وبعضهم وصل الى مراكز سياسية واقتصادية واجتماعية عليا.
.. قدر هذا اللبناني أن يكون دائماً باحثاً عما يستطيع تحصيله، كي لا تضنيه صعوبات الحياة، إضافة الى الازمات المتلاحقة التي تفجرت في وطنه منذ القرن التاسع عشر، واستمرت وتواصلت في القرن الماضي ولا تزال في القرن الحادي والعشرين، والتي أجبرت الكثير من الطاقات اللبنانية الى الهجرة والاغتراب، لإمداد عائلاتهم بالأموال التي يرسلونها ليوفروا لهم حياة كريمة.
.. بعض اللبنانيين جنوا ثروات هائلة، وبرع بعضهم في علوم الطب والفيزياء والادب والشعر والفن، وأسسوا شركات، وأداروا أخرى دولية كبرى، وحققوا نجاحات يشهد لها القاصي والداني، وبعضهم الآخر بقي يعمل ويعمل ويكد ويجهد، حتى قيل في هؤلاء إنهم يكافحون هرباً من الفاقة والعوز.
.. صحيح أن وطناً صغيراً بمساحته، ولا يمتلك أي ثروات، لا يستطيع تأمين فرص العمل لكل أبنائه، الذين يهاجرون للعمل، ولكن الصحيح أيضاً أن هذا الوطن يملك إمكانات أبنائه وذكائهم وشغفهم بالعلم، وكل ما يحتاجون إليه هو الطمأنينة والاستقرار في وطنهم، وهذا ما يجب أن يدركه – قبل أي أحد آخر – اولئك الذين عملوا لتحويل هذا الوطن الى ساحة لصراع الآخرين، فافتعلوا الازمات تلو الازمات.
… كارثة الطائرة الاثيوبية، والتي أودت بـ54 لبنانياً كانوا راحلين الى عالم الاغتراب، هي انعكاس لهذا الواقع المؤلم، وقد أتت بعد فجيعة طائرة كوتونو، والتي أودت بحياة مغتربين لبنانيين كانوا يكافحون في سبيل تأمين الحياة الكريمة.
…. إن ضحايا الطائرة الاثيوبية هم في نتيجة الامر ضحايا لقمة العيش، ومع ذلك إخالهم يرددون "يا رب اذا جردتني من المال فاترك لي الأمل، وإذا جردتني من النجاح فاترك لي قوة العناد حتى أتغلب على الفشل، وإذا جردتني من الصحة فاترك لي نعمة الايمان".
.. هذا لسان حال كل المغتربين، وهم إن ارتحلوا عن أرض الوطن، وحطوا في أماكن اغترابهم لم يتخلوا عن هويتهم الوطنية، ويعود إليهم الفضل الاكبر في رفد هذا الوطن بالاموال التي يرسلونها الى عائلاتهم، وهم كذلك سفراء لبنان في أصقاع الارض، يدافعون عن قضاياه، ويحملون هموم اخوتهم المقيمين في قلوبهم وعقولهم.
إننا إذ نعاني من فقدان ضحايا الطائرة الاثيوبية نسأل الله عز وجل أن يلهمنا وأهاليهم الصبر والسلوان، ونسجل هنا للدولة اللبنانية تحركها السريع، كما نسجل للرؤساء سليمان وبري والحريري اهتمامهم البالغ، ونخص هنا الحكومة اللبنانية ورئيسها الذي استنفر جميع الوزراء حيث عملوا باندفاع وقوة لمعالجة ما جرى.
