سافر لنجدة قريب في أثيوبيا فالتقى الأم والأخت وراء البحار
خليل الخازن ابن جونيه .. ما همه هدير بحر وعاش حيوات عديدة
كأن خليل نامي الخازن كان يعرف ان الحياة قصيرة. ان حياته هو قصيرة، فعاشها حيوات عدة. اقبل عليها حتى لم يبق في قرارة كأسها شيء. ومع ذلك كان في كل يوم يعيد ملء كأسه من جديد فيعب من الحياة حتى الثمالة. أمس ارتشف آخر قطرة ومضى. تبرع للتوجه إلى أثيوبيا بعدما علم بإصابة ابن عمته بأزمة قلبية هناك. زوجة المريض وأخوته والاطباء يحتاجون الى فيزا للسفر وهي ستحتاج بعض الوقت. أما هو فيملك جواز سفر ايطاليا. قال حاسما «أنا سأسافر لأكون الى جانبه. سأسبق الجميع». وهكذا كان. سبق الجميع، لكن إلى موعد غامض مع قدر مشؤوم.
تدخل أمس دارة ابن خاله النائب السابق فريد هيكل الخازن والعائلة، فتحار أي كلمات تختار. العيون دامعة ومعلقة على خيط أمل. كلما رن هاتف تعلقت العيون بشفاه فريد لتعود فتخيب نـــظرتها. يمر الوقت ثقيلا. يزداد امتلاء المنزل. يجلس الشبان على الأرض بعدما أعجزهم الوقوف. الوقت يزداد ثقلا. الشفاه تتمتم متوسلة أعجوبة. الدموع تنساب. تضيع الكلمات من والده المفجوع. لا يزال غير مصدق. يحاول التماسك خصوصا حين يدخل عليه حفيده نامي الصغير. يقترب منه ابن الاثني عشر عاما. يحضن جده الذي يبقى متماسكا. لا يدنيه منه كثيرا. تراه يخاف أن يفقد تماسكه؟ أم يخاف أن يتسرب قلقه الكبير إلى الصغير؟ تشهق النسوة بالبكاء. قلوبهن تحضن الصغير قبل العيون الــــتي ترافقه الى غرفة جانبية. هناك افترش نامي الارض مع اخته ميرا وبعـــض أصدقائهم والأقارب. احاطت بهم النسوة والكثير من الحزن النبيل. حزن له وقع اشد ايلاما من التفجع، وعويله يحفر في القلب عميقا في صمته.
همس كثير فيه التحليل والتكهن والشائعات. همس لا يبدو نامي وميرا معنيين به. يمسكان بأيدي بعضهما حينا. يستندان الى كتف اصدقائهما حينا آخر وفي كل حين عيونهما معلقة على أمل ما كان بعض المحيطين بهما يعززه في نفسيهما.
الهاتف لا يبارح يد فريد الخازن. الكل يريد التأكد هل هو خليل نامي الخازن حقا؟ قيل عبر وسائل الإعلام انه خليل ناجي الخازن. اُشكل على البعض. لكن فريد عرف باكرا جدا. فهو انتظر حتى صعد خليل إلى الطائرة بعد الساعة الثانية واستيقظ عند السادسة ليتصل به بعيد وصوله الى اثيوبيا ليتابعا وضع قريبهما الصحي والاجراءات المطلوبة لوصول الاطباء اللبنانيين. أدار فريد التلفزيون. كانت منى زوجته تواكب ولديها إلى سيارة المدرسة حين سمعت زوجها ينده باسمها بصوت هستيري. ركضت إليه وكان يضع يديه على رأسه ويخفي وجهه وهو يردد «سقطت طائرة خليل». هما ليسا قريبين فقط هما صديقان ورفيقان. لا يصعب بعدها تصور المشهد انما يصبح شاقا استرجاع لحظاته الملتهبة بمشاعر الخوف والامل والحزن والغضب غير المحدد الوجهة. اتصلوا بالأب والأقارب والأصدقاء الذين بدأوا بالتوافد منذ السادسة والنصف. لم يتح لأهل البيت تغيير ملابسهم. وعلى الارجح لم يكترثوا. بداية تمسكوا بالامل الذي راح يتسلل من بين أناملهم مع مرور الوقت. حضر رسميون وسياسيون واصدقاء واتصل كثر آخرون، لكن أحدا لم يقل الكلمة السحرية : عثرنا عليه.
في غرفة جانبية كانوا يتحدثون عن ضرورة إجراء فحص الـ«د.ن.أ». قيل أن والده سيفعل. بكت القريبات متسائلات «كم سيتحمل هذا الأب؟ قبل اربع سنوات فقد ابنته الصبية وبعدها زوجته واليوم ابنه. هذا كثير على رجل واحد، كثير جدا».
يدخل زميلان من محطة «أم.تي. في» فتنساب دموع الرجال والنساء. خليل عضو مجلس ادارة في المحطة ومدير البرامج السياسية فيها، تحول اليوم الى خبر يتابعه المحبون بترقب وخوف.
والترقب كان حال زملائه في المحطة. بداية التبس الامر عليهم مع ذكر اسم الأب خطأ. وتساءلوا «لماذا يمكن ان يسافر خليل الى اثيوبيا؟». لكن حين اتصل ميشال المر بالزميل غياث يزبك وصوته متهدج عرف الأخير ان خليل ناجي الخازن الذي اذيع اسمه هو خليل نامي الخازن.
لا يخفي غياث بكاءه. لا يكابر خصوصا بعدما انهكته ملاحقة مآسي كل الركاب. أتى الفقد الشخصي ليفيض كل الحزن دموعا وغصات. يقول «خليل هو نموذج الشاب المتحرر والحر الذي يصنع قدره ومستقبله بيده. كان عصاميا ونشيطا ومليئا حيوية ودينامكية». يغالب غياث دموعه وهو يتحدث عن حب خليل للناس والخدمة» هو كشجرة على قارعة الطريق تعرض ثمارها على كل عابر سبيل. فلا نستغرب أن يستدين خليل مالا ليقرض صديقا في ضيق. ولا نستغرب ان يطلب أحد منه خدمة فيؤديها مع إضافات من عنده».
«لم يكن خليل ابن عيشة، كما تقول العجائز في ضيعنا». هكذا ردد غياث مضيفا «ربما لأنه كذلك عاش حياته كما أحب، حيوات عديدة وكان الأب والابن والعاشق والصديق والمراهق والرصين والحالم والرجل الممتلئ نضجا».
كان خليل الخازن كل ذلك وسيبقى ذاك الشاب الوسيم ابن جونيه الذي ما همه يوما هدير بحر.