جولة ميتشل أثبتت الإخفاق في إحداث اختراق
المراوحة في الغجر نموذج للعجز والتعقيدات
لم تتأثر مصادر ديبلوماسية مراقبة بالتفاؤل الذي تحدث عنه رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو على اثر لقائه المبعوث الاميركي الى المنطقة جورج ميتشل واعلانه ان ثمة افكارا اميركية جديدة حملها الاخير، فالافكار الجديدة كانت منتظرة في هذه الجولة للمبعوث الاميركي، وخصوصا انها أتت في أعقاب مشاورات مع وزراء خارجية عرب في واشنطن، بحيث سرى اعتقاد بأن الامر قد ينطوي على أمور او أفكار رُصِدَ سلفا مدى امكانات تسويقها. وعدم ايلاء كلام نتنياهو أهمية كبيرة يتصل بربطه احتمال السير بهذه الافكار بالطرف الفلسطيني، فضلا عن انه من غير المستبعد وفق ما تعتقد المصادر المراقبة ان يكون رئيس الوزراء الاسرائيلي أبدى ايجابية على طريق تخفيف حدة المواقف الخارجية ضده لعرقلته احتمالات معاودة التفاوض مع الفلسطينيين وعدم اتخاذه اي اجراءات تساعد في هذا المجال مع الاستمرار في النهج الاستيطاني الذي دانته غالبية الدول التي لا ترى ان اسرائيل تساعد في التوصل الى حلول في المنطقة بل تساهم في تعقيدها. وهو تاليا أعلن بعض المواقف من التزامه الدولة الفلسطينية اعتقادا منه انها ترضي هذه الدول، لكن المعنيين يودون ان يروا امورا اكثر عملانية. وتاليا يعتقد ان هذه المواقف قد لا تخرج عن اطار لعبة سياسية لا تقدم ولا تؤخر في الوقت الذي لم تعد جولات ميتشل تثير توقعات كبيرة على رغم تأكيده في العواصم التي زارها استمرار ادارة الرئيس الاميركي العمل من اجل تحريك عملية السلام في المنطقة والسعي الى حل الدولتين الفلسطينية والاسرائيلية. وهو امر تعتقد المصادر المراقبة انه ينطوي على صدقية كبيرة باتت كل الدول المعنية على اقتناع بها لكن الادارة الاميركية تفتقد القدرة على المساعدة في الحل أقله في المرحلة الراهنة.
ولا تخفي هذه المصادر اقتناعها بان ثمة أمورا عدة لا تساعد ميتشل في مهمته ولو ان جهوده كانت صادقة. وأبرز العقبات التي يواجهها تتصل في الواقع بتحريك الامور على المسار الفلسطيني الاسرائيلي، لكن اي امر لا يتمكن الاميركيون من تحقيقه، او لم يتمكنوا منه بعد، يترك آثارا سلبية على تحركهم، حتى في مسألة تعتبر بسيطة جدا قياسا على الموضوع الفلسطيني وهي تتصل بموضوع بلدة الغجر على الحدود الاسرائيلية اللبنانية. فعدم القدرة على إحداث اي اختراق في أي مكان في المنطقة يمكن ان يقع في خانة الجهود الاميركية سيبقى يظلل مهمة ميتشل. وحتى اشعار اخر يبقى عدم تنفيذ اسرائيل انسحابها المقرر مثلا من الشطر الشمالي من الغجر يطرح تحديا بالنسبة الى الولايات المتحدة، باعتبار ان الامر يتصل بتنفيذ قرار دولي هو القرار 1701 الذي تطالب واشنطن بتنفيذه في كل مناسبة. اضف ان هناك قرارا سياسيا اسرائيليا بالانسحاب من الغجر ولا يزال الامر يقتصر على الجانب التقني دون القرار السياسي. وقد ثبت للاميركيين أخيرا، رغم الجهود والضغوط التي يبذلونها ويبذلها معهم المجتمع الدولي، ان الامر لن يحصل على الارجح، نتيجة خشية اسرائيل من ان يشكل انسحابها من الشطر الذي تحتله من الغجر سابقة يمكن ان تنسحب على اي انسحاب يمكن ان تجريه لاحقا، اكان ذلك يتعلق بالاراضي الفلسطينية أم بالجولان المحتل اذ انها لا تود ان تترك حاملي الجنسية الاسرائيلية تحت سيطرة دولية ولا تستطيع ان تطالب المواطنين باتخاذ اجراءات تطاول تغييرات جذرية في حياتهم.
وليس خافيا ان البعض سمع اخيرا ان ميتشل سيحمل افكارا جديدة خلال هذه الجولة تعود على الارجح الى الفكرة الاولى التي انطلق بها لدى تعيينه قبل عام، أي تحديد عناوين الحل النهائي خلال مدة زمنية محددة بدلا من التفاوض لسنوات او البحث عن آلية، باعتبار ان الروزنامة الزمنية كفيلة بجعل المفاوضات ثانوية في ذاتها. وهذه المقاربة عادت فاختلفت في وقت من الاوقات من خلال الدعوة الاميركية مجددا الى العودة الى التفاوض، وقد رافقها عدم وقف نتنياهو الاستيطان وعدم قدرة الرئيس الفلسطيني محمود عباس على السير قدما في مفاوضات جديدة من دون وقف الاستيطان. الامر الذي أعاد المقاربة القديمة او الاولى الى الواجهة، اي التغيير الجذري المتصل بالاتفاق على الحل النهائي ومدة زمنية معينة، على اساس ان ذلك قد يساهم في الخروج من مازق مطالبة نتنياهو بوقف الاستيطان ويساهم في اخراج "أبو مازن" من احراج عدم التفاوض في ظل الاستيطان.
وتقول المصادر المعنية ان عدم النجاح الاميركي يثير توتر بعض الدول العربية التي تواجه تحديات كبيرة على مستوى المشكلات الداخلية وعدم تحريك الامور على المسار الفلسطيني الاسرائيلي يساهم في زيادة هذا التوتر. ذلك ان المترتبات على ذلك باتت تؤثر سلبا اكثر من السابق لجهة التطرف ونشوء مشكلات جديدة. لكن المصادر المعنية تعتقد ان الامور في المنطقة لم تنضج بعد ولا شيء يوحي بذلك. ولذلك فان التوقعات عن امكانات تحريك الاميركيين للامور في غير محلها ايضا.