بعدما تأكدوا من تعنّت حكومة نتنياهو وعجز إدارة أوباما
لماذا لا يتّفق الزعماء العرب على "استراتيجية المواجهة"؟
تساءل سفير لبناني سابق في مجلس خاص ماذا ينتظر الزعماء العرب ليتخذوا موقفاً واحداً وموحداً من اسرائيل، بعدما تأكدوا أن حكومة نتنياهو لا تريد السلام إلاّ بشروطها التي تعني الاستسلام وأنها تريد الأمن أولاً والسلام أخيراً… وأنه ما دام أمنها غير ثابت ودائم مع وجود مقاومة في فلسطين المحتلة وفي لبنان، وايران تهدّدها من وقت الى آخر بإزالتها من الخريطة في المنطقة، فإنها ستظل ترفض تحقيق السلام ما لم يسبق ذلك تحقيق أمن ثابت ودائم لها.
وتساءل السفير نفسه ايضاً ماذا ينتظر الزعماء العرب ما دام الرئيس الاميركي باراك أوباما، الذي عقدت عليه الآمال، عجز حتى الآن بالضغط السياسي على حكومة نتنياهو عن وقف بناء المستوطنات، ولا استخدم الضغط المالي والمساعدات العسكرية لهذه الغاية كي تعاود المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية وبات يخشى إذا ما استمرت أعمال البناء مع استمرار المفاوضات التي قد تطول، أن تكون اسرائيل خلال ذلك، قد أنجزت ما تريد إنجازه على الارض، وهوَّدت القدس ورسمت الحدود النهائية لدولتها وجعلت الدولة الفلسطينية في حال قيامها تكتفي بالارض المتبقية لها وعندها يصبح حل الدولتين مقبولاً…
لقد عرضت المملكة العربية السعودية اعتماد مقررات قمة بيروت العربية أساساً لمفاوضات السلام مع اسرائيل، وقالت بلسان الملك عبد الله بن عبد العزيز في قمة الكويت، ان هذه المقررات لن تبقى على الطاولة الى الابد، ومعنى ذلك ان على الزعماء العرب أن يتخذوا موقفاً يواجهون به تعنت حكومة نتنياهو، إما بإعطاء مهلة لإسرائيل كي تعلن موقفها من هذه المقررات أو تطرح البديل منها. والغريب ان الرد على هذا الطرح كان انقساماً عربياً بين مؤيد لاعتماد هذه المقررات، وداعٍ الى نعيها ودفنها واعتماد المقاومة سبيلاً لتحرير الاراضي العربية المحتلة. ومرت الأشهر والسنوات فلا الزعماء العرب اتفقوا على اعتماد مقررات قمة بيروت العربية، ولا اعتماد أي قرارات بديلة، ولا اتفقوا على أن تكون المقاومة هي السبيل لاستعادة الحقوق الفلسطينية والعربية المشروعة، وكيف تكون هذه المقاومة وما هو دور الجيوش العربية اذا ما اعتبر إن ما أُخذ بالقوة لا يُستعاد إلاّ بالقوة؟… بل ان كل ما حصل بعد قمة الكويت وبعد قمة الدوحة ان كل دولة عربية فتحت على حسابها في تحديد طريقة التعاطي مع اسرائيل وانشغلت كل دولة بمشاكلها وهمومها؛ اليمن بحربها الداخلية والمملكة العربية السعودية بتداعيات هذه الحرب، والعراق بوضعه الأمني وأعمال العنف المستمرة، وبالانتخابات القريبة التي تضع نتائجها العراق أمام مرحلة هادئة مستقرة أو أمام مزيد من القلاقل والاضطرابات والانقسامات التي قد لا يبقى حل لها سوى تقسيمه دويلات مذهبية وعرقية، ودول الخليج تعيش حالة قلق من توسع النفوذ الايراني ومن تحوّل ايران دولة نووية مركزية قوية لها دورها المؤثر في المنطقة، ومصر مشغولة باختيار خلف للرئيس حسني مبارك بعد انتهاء ولايته وحماية أمن حدودها، وسوريا تنتظر ما سوف تسفر عنه المساعي التركية والاميركية والاوروبية لمعاودة المفاوضات مع اسرائيل قبل أن تصبح في وضع يسمح لها باتخاذ الموقف اللازم من أجل استعادة الجولان بأي وسيلة متاحة. واسرائيل تقول تارة بالانسحاب من الجولان كاملاً وطوراً من جزء منه وترفض وقف بناء المستوطنات لمعاودة المفاوضات مع الجانب الفلسطيني، وترفض ايضاً رغم كل الجهود الاميركية ومساعي مسؤولين في الامم المتحدة الانسحاب من الجزء اللبناني من قرية الغجر وتسهيل وضع مزارع شبعا في عهدة الأمم المتحدة تنفيذا للقرار 1701. ويتلقى لبنان التهديدات الاسرائيلية المتكررة بسبب تدفق الاسلحة على "حزب الله" ولا من يمنع ذلك فيجد لبنان نفسه غير قادر وحده على تحمل مسؤولية تنفيذ القرار 1701 بكل مندرجاته ولا يتحمل معه أي طرف هذه المسؤولية الا بالكلام، عدا انه يواجه انقساماً داخلياً بين مَن يريد تحرير بقية أراضيه المحتلة بالتفاوض وكما تفعل سوريا، أو بالمقاومة كما تفعل "حركة حماس" والجهاد الاسلامي في فلسطين، خصوصاً بعد أن ثبت أنها الوسيلة الوحيدة الناجعة التي أرغمت اسرائيل على الانسحاب من الجزء الأكبر من أراضي الجنوب المحتلة.
وهكذا يجد لبنان نفسه وحيداً في مواجهة خياراته حيال اسرائيل وحيال سلاح "حزب الله" وبالكلام على الاستراتيجية الدفاعية، هذه الاستراتيجية التي ينبغي أن تكون عربية، "مشتركة"، لتصبح فاعلة أو أقله لبنانية – سورية لئلا يستفرد لبنان مرة أخرى في حرب مع اسرائيل تجعله عاجزاً عن إعادة إعمار ما تدمر وهو لم ينته بعد من إعادة إعمار ما دمرته حرب تموز 2006.
ويختم السفير بالقول. لقد آن الاوان للزعماء العرب أن يحزموا أمرهم ويقرروا متضامنين، كيف عليهم مواجهة اسرائيل اذا ظلت ترفض تحقيق السلام إلاّ بشروطها التعجيزية، لتجعله سلام استسلام وتحديد مهلة لاسرائيل كي ترد على ما يقرره الزعماء العرب في قمة تفرض دقة الظروف وخطورتها عقدها في سرعة، ليقرروا فيها اتخاذ قرارات قمة بيروت عام 2002 او اعتماد أي قرارات بديلة مثل الدعوة الى عقد مؤتمر دولي على غرار مؤتمر مدريد، حتى اذا ما رفضت اسرائيل كل المقترحات السلمية، اعتمد الزعماء العرب عندئذ الوسائل التي تعيد حقوقهم المشروعة سواء سياسية أو اقتصادية أو عسكرية بما فيها المقاومة التي تنطلق من كل الجبهات ولا سيما تلك المحيطة باسرائيل، فاذا لم يقدم الزعماء العرب على تحديد خياراتهم، فإن اسرائيل تكون مع الوقت الضائع قد أنجزت مشروع بناء المستوطنات ورسمت الحدود النهائية لدولتها اليهودية بما فيها القدس ومنعت عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم وفرضت بقوة الامر الواقع توطينهم حيث هم اذا ظل العرب غارقين في جدل لا طائل تحته حول جنس الملائكة…