يوم كارثيّ حزين خيّم على لبنان منذ فجر أمس. فمأساة سقوط الطائرة الأثيوبية مباشرة بعد إقلاعها من مطار رفيق الحريري الدولي، في الثانية والدقيقة الخامسة والثلاثين فجراً، أصابت لبنان الرسمي والشعبي بصدمة كبيرة، فيما استمرت عمليات الإنقاذ في البحر بحثاً عن ناجين. هذه العمليات التي شاركت فيها المؤسسات الرسمية اللبنانية وعدد من الدول استمرت طوال النهار. فالطائرة "النكبة" التي اختفت عن شاشات الرادار بعد أربع دقائق على إقلاعها كانت تحمل 90 شخصاً بينهم لبنانيون وأثيوبيون وزوجة السفير الفرنسي في بيروت وغيرهم من جنسيات مختلفة، لتحول صباح اللبنانيين إلى حداد وطني نكست فيه الأعلام أمام المقارّ الرسمية، وأغلقت المدارس، في وقت استنفر كل المسؤولين متنقلين بين المواقع المختصة بالحادثة للوقوف بجانب أهالي الضحايا ومواساتهم ومحاولة إنقاذ ناجين.
وفي موازاة التضامن الوطني والاستنفار الشامل للدولة بأجهزتها العسكرية وكافة مرافقها والدعم الدولي الحاشد، سادت صورة سوداء كل المؤتمرات الصحافية التي بدأت صباحاً مع رئيسي الجمهورية ميشال سليمان، ومجلس الوزراء سعد الحريري، ثم الوزراء المعنيين لإيضاح سير عمليات الإنقاذ، إضافة إلى مواقف عبّرت عن حجم المأساة التي غرق فيها لبنان. والتي أظهرت مدى توحده ومدى التضامن الوطني في الظروف الصعبة.
خبر كارثة سقوط الطائرة الأثيوبية بدأ بالانتشار صباحاً، في وقت بدأت عمليات الإنقاذ البحري للبحث عن ناجين بمروحيات وطرادات الجيش اللبناني والأمم المتحدة وسفينة حربية ألمانية لـ"اليونيفيل"، في ظل طقس ماطر وعاصف. وفي غضون ذلك، كان المسؤولون من رؤساء ووزراء ونواب يجولون على أهالي المفقودين في الطائرة للوقوف، في خلية عمل يكاد يقال عنها منظمة بوتيرة عالية.
رداءة الطقس إضافة إلى قوة الموج التي نشرت حطام الطائرة على امتداد كيلومترات في الشاطئ اللبناني، منعت المنقذين من الغطس في المياه. شاطئ خلدة والأوزاعي تلقفا بعض الحطام من الطائرة. حذاء فتاة صغيرة نامت في حضن موجة، ومخدة كان يستعملها أحدهم محاولاً أن يرتاح قبل وقوع الكارثة، وبعض المقاعد التي كانت تحمل أحلاماً ذهبت مع البحر. موج مرتفع وأشلاء تتنقل بين السفن الحربية التي تبحث عن ناجين أفلتوا من براثن الموت.
وعلى أمل العثور على ناجين، كما العثور على المفقودين.. وعلى الصندوق الأسود ما يساعد التحقيق، انعقد اجتماع وزاري مساءً في السرايا برئاسة الحريري حضره الوزراء المعنيون والأجهزة التي تقوم بمهام الإنقاذ والبحث المتعلقة بكارثة الطائرة. وأعلن وزير الإعلام طارق متري بعد الاجتماع أن "الهدف هو الاستمرار في التنسيق ومتابعة العمل بأعلى درجات الفاعلية وجرى تقييم عمل الأجهزة والمؤسسات في هذا اليوم وأثنى الرئيس الحريري على التعاون فيما بينها".
وأكد أنه "حتى الآن تم انتشال 14 جثة هي في مستشفى بيروت الحكومي، وتقوم الأدلة الجنائية بعملها اللازم. والآن تقوم بواخر ألمانية وتركية وأميركية بعملية سبر شامل لمكان وقوع الطائرة للبحث، وسوف تقوم كل الأجهزة بكل عملها اللازم وستواصل عملها، لا دليل وليس ما يشير إلى عملية تخريبية". وأضاف أن "عملية البحث والإنقاذ وفق الأعراف الدولية تستمر 72 ساعة"، مضيفاً أنه تم العثور على 14 جثة "والباقي مفقودون" حتى الآن. ورداً على سؤال قال "هناك طائرات أقلعت وحطت في نفس وقت إقلاع الطائرة ولم يكن هناك من سبب يدعو إلى وقف عملية الطائرة وكل شيء سيتبين من التحقيق(..)".
سليمان
من جهته، تحرك الرئيس سليمان منذ الصباح إلى غرفة عمليات الجيش اللبناني في اليرزة، وأعلن خلال مؤتمر صحافي أن "كل القوى الأمنية تتعاون للبحث عن ناجين". وأشار إلى أن "الاتصالات بدأت على الصعد كافة وان وزير الأشغال العامة غازي العريضي اتصل به إضافة إلى وزير الدفاع الياس المر، وان وزيري الداخلية والصحة زياد بارود ومحمد جواد خليفة موجودان في المطار ليتابعا عمليات الإنقاذ". وتمنى سليمان "العثور على ناجين أو مصابين"، وأوضح أن "الوقت الذي تتطلبه عمليات البحث ليس اقل من 72 ساعة، كما ستتم عملية جمع الحطام لمعرفة سبب الحادث". مستبعداً "حصول أي عمل تخريبي(..)".
في هذا الوقت، كان وزير الأشغال العامة والنقل غازي العريضي يتنقل بين غرفة العمليات في المطار، والاتصال بالمسؤولين الرسميين، وأعلن أنه "تم تحديد الموقع غرب الناعمة بحدود 3,5 كيلومترات من البحر، حيث بدأ العمل منذ وقت حتى الآن وثمة نتائج ملموسة(..)".
الحريري
تزامناً، قام الرئيس الحريري بزيارة أهالي ضحايا الطائرة المتجمعين في صالون الاستقبال في المطار. صورة عائلية حزينة طغت على المكان. بكاء ودعاء إلى الله أن يأتي خبر صغير عن ابن ما زال حياً تقاذفته الأمواج بعيداً. أحاديث مع أم بكت على كتفه. حالة من الحزن احتاج الأهالي حيالها إلى أن يقف إلى جانبهم من يؤكد لهم أن الدولة اللبنانية كلها مستنفرة من أجل قضيتهم. كلما اقترب من عائلة ارتفع النحيب، ينتظرون منه أن يخبرهم أي معلومة تريح قلوبهم.
الحريري توجه بعد لقائه الأهالي بجولة في مروحية للجيش اللبناني فوق موقع عمليات البحث، برفقة العريضي وبارود وخليفة وقائد الجيش جان قهوجي، والمدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء اشرف ريفي حيث أشرف على محاولات البحث والإنقاذ، كان متجهماً في الطائرة أمام مشهد انتشار الحطام الذي أتى لتظهر حجم المأساة التي رآها، وسمع صوت حزن من الأمهات في المطار. وكان الحريري قبل توجهه إلى المطار أصدر بياناً أعلن فيه الحداد الوطني، وتعطيل جميع الدوائر الرسمية حداداً على ضحايا الطائرة، ودعا جميع اللبنانيين للتماسك لمواجهة هذه الكارثة الوطنية والإنسانية ومواساة أهالي الضحايا.
وفي مؤتمر صحافي عقده في المطار، أكد الرئيس الحريري أن "الدولة اللبنانية وبالتنسيق مع كل الوزارات تعمل للوصول بأسرع وقت ممكن إلى سحب المفقودين الذين هم على متن الطائرة"، ولفت إلى أن "البحث مستمر عن الصندوق الأسود الذي سيوضح حقيقة ما جرى"، وقال "نحن كدولة سنركز على شفافية التحقيق، والوزراء هم المخولون بإعطاء المعلومات والتصريحات". وأعلن عن "وجود 5 بوارج لبنانية ومن اليونيفيل تعمل في عمليات البحث والإنقاذ، وستصل من قبرص مساعدات إضافة إلى فريق مختص من الأسطول السادس الأميركي وطائرة بحث ديسكفري".
بري
رئيس مجلس النواب نبيه بري زار أيضاً الأهالي في مطار بيروت، واستمع إلى شرح مفصل من الوزير العريضي، ودار بين العائلات مؤكداً العمل بسرعة. وكان بري أصدر بياناً قال فيه إن "لبنان صدم بكارثة وطنية فقد خلالها العشرات من أبنائه الأحباء من مختلف المناطق اللبنانية الذين نذروا شبابهم وحياتهم في الاغتراب من أجل العيش الكريم". وأضاف "بسبب هذه المأساة الوطنية الأليمة التي طاولت أيضاً مواطنين من جنسيات مختلفة، يعلن إقفال مجلس النواب حداداً، وبالتالي تأجيل جلسة المجلس التي كانت مقررة(..)".
في سياق متصل، عقد الوزير المر مؤتمراً صحافياً أعلن فيه أن "عدد الركاب الرسمي للطائرة 90 شخصاً منهم 54 لبنانياً، 20 أثيوبياً، فرنسي واحد، بريطانيان اثنان، تركي، سوري وأردني وشخص إفريقي".
وأكد أنه "بعد 20 دقيقة من حصول الحادث كانت القوى البحرية والجوية منتشرة في مكان الحادث، وشارك في العملية 9 طرادات من الجيش واثنتان من اليونيفيل، 6 طائرات من الجيش اللبناني و5 طائرات من اليونيفيل، وطائرتان فرنسية وبريطانية، وكل الطائرات الأجنبية تتحرك عبر غرفة العمل المشتركة بين الجيش واليونيفيل". ولفت إلى أن "الطائرة وقعت في مكان عمق المياه فيه بين 70 ومئة متر(..)".
أهالي الضحايا
ومنذ الصباح، شهد المطار حركة كبيرة لأهالي ضحايا الطائرة، لمعرفة أي معلومات عن الطائرة. حالة صمت أحياناً، وبكاء أحياناً أخرى، وصراخ في بعض اللحظات. يتسمر البعض أمام شاشات التلفزة بانتظار معلومات جديدة، وكذلك حين يزورهم المسؤولون. أقارب من أماكن عديدة أتوا إلى المطار بأعصاب مشدودة، ليبدأ الانهيار بعد ساعات قليلة مع الحديث عن وجود عدد من الجثث من دون ناجين. صدمة للجميع بانتظار أي معلومات تريح أعصابهم، فيما الاتصالات ترد إليهم من عائلاتهم في لبنان والبلدان التي كانت الطائرة ستذهب إليها. في الوقت نفسه قام عدد من الأهالي بالتوجه إلى الشاطئ الممتد من السعديات إلى الدامور وخلدة والأوزاعي محاولين استطلاع الوضع والبحث، متأملين أن يعطيهم البحر ما فقدوه في السماء.
بعد الظهر، توجه الأهالي إلى مستشفى رفيق الحريري الحكومي، في انتظار اعلان أسماء الضحايا الواصلين عبر الصليب الأحمر، بعد سماعهم عن نقل عدد من الجثث إلى المستشفى. وبُعيد الثانية عشرة والدقيقة العاشرة، وصلت أول جثة نقلها الصليب الأحمر اللبناني وأدخلت قسم الطوارئ الذي باشر على الفور الكشف عليها، وطلب الجسم الطبي من الأهالي عينات من الدم لإجراء فحوص الحمض النووي DNA، ليصل بعدها عدد الجثث إلى 14.
الرئيس سليمان تحرك بعد الظهر باتجاه مستشفى رفيق الحريري للوقوف إلى جانب الأهالي وللإطلاع على الإجراءات المتّخذة. هناك، أكّد لأهالي الضحايا أن "الدولة تأخذ كل الإجراءات التي يُمكن أن تؤدّي إلى العثور على المفقودين مع الأمل الكبير بوجود أحياء"، وأكد لهم أن "البحث سيستمر، ونستعين بكل الإمكانيات التقنية من الدول الصديقة المتوفّرة لإنجاز عمليات البحث والإنقاذ، وسنستعين أيضًا بالتقنيات المتوافرة لإجراء التحقيق الكامل لمعرفة كيفية حصول الحادث". وقال "نحن في لوعة كبيرة، وهؤلاء المواطنون ربما كانوا يسعون وراء رزقهم في الخارج وربما كانوا سيرفعون اسم لبنان عاليًا ويساهمون بمردود اقتصادي"، مؤكداً أن "الجيش يعمل من أجل أهله بكل اندفاع وبتقنية عالية(..)".
من ناحيته، عقد الوزير خليفة مؤتمراً صحافياً الرابعة بعد الظهر، شرح فيه المعلومات المتوافرة عن الضحايا والركاب المفقودين، حيث أعلن وصول 14 جثة فقط إلى المستشفى بينها جثتا طفلين، وأكد تعرّف جثة شخص واحد هو حسن تاج الدين، إذ جرى تعرّفه من جواز سفره الذي كان لا يزال في جيبه كما أن شخصيته واضحة المعالم.
وكانت وصلت إلى بيروت طائرة أثيوبية آتية من أديس أبابا وعلى متنها وفد مؤلف من 14 شخصاً يمثلون الشركة الأثيوبية وخبراء متخصصين للاطلاع على ظروف حادث تحطم الطائرة وملابساته، وقاموا بعقد اجتماعات مع المعنيين في المطار للاطلاع على المعلومات المتوافرة عن الحادث.
كذلك، وصلت إلى الشواطئ اللبنانية سفينة أميركية ومروحيات بريطانية وفرنسية للمشاركة في عملية البحث عن ناجين.
كتب فيصل سلمان: يوم للحداد