عاش لبنان من اقصاه الى اقصاه يوم امس يوماً حزيناً، ونكست الاعلام اللبنانية واقفلت الجامعات والمدارس ابوابها حداداً على ضحايا الطائرة الاثيوبية المنكوبة التي كان على متنها 83 راكباً مع طاقمها 7 افراد، بين الركاب 54 لبنانياً و22 اثيوبياً و7 بين بريطانيين وفرنسييين وروس عرف منهم زوجة السفير الفرنسي في لبنان.
فمنذ ساعات الصباح الاولى، ومنذ ان شاع خبر تفجر الطائرة الاثيوبية بعد دقائق قليلة من اقلاعها من مطار بيروت عند الساعة الثانية والنصف فجراً، حتى طغت الكارثة عى ما عداها، وسارع كبار المسؤولين الى مطار رفيق الحريري الدولي، واعلن الرئيس نبيه بري اقفال مجلس النواب، واصدر الرئيس سعد الحريري مذكرة اعلان الحداد، وانتقل الرئيس ميشال سليمان اولاً الى وزارة الدفاع لاطلاق عمليات البحث والتنسيق بين مختلف الفرق الانقاذية من جيش وقوى امن ودفاع مدني وصليب احمر، فيما ادت الاتصالات التي جرت مع القوات الدولية العاملة في الجنوب <اليونيفل> ومع قيادة الاسطول السادس الاميركي العاملة في البحر المتوسط، ومع كل من فرنسا وقبرص الى الاستعانة بخبراء والكادر الاجنبي المجهز، لا سيما الاميركي والفرنسي اللذين يملكان طائرات متطورة في عملية البحث عن الركاب وحطام الطائرة والصندوق الاسود، وسط ظروف جوية ومناخية قاسية، ليس اقلها حركة المد والجزر والامواج، لا سيما وان الطائرة سقطت في البحر بين الناعمة وخلدة في عمق يبعد ثلاثة كيلومترات عن الشاطئ.
ولئن فضحت النكبة الجوية عدم جهوزية لبنان لمواجهة الكوارث الطبيعية والمناخية، ولا سيما ان الكارثة هي الاولى من نوعها في حياة الملاحة الجوية اللبنانية، ما خلا الحادثة اليتيمة الأليمة المتعلقة بطائرة <كوتونو> المعروف ظروف سقوطها بعد تحديد المسؤوليات، فإن الاجتماع المسائي الذي عقد برئاسة الرئيس سعد الحريري في السراي، طرح على بساط البحث تشكيل غرفة طوارئ دائمة لمعالجة اي كارثة او طارئ يتعرض له لبنان.
وما يغفر للدولة اللبنانية التي هبت هبة الرجل الواحد بكبار مسؤوليها وكل اجهزتها، بانتظار 48 ساعة المقبلة لانجاز المهمة المفترضة المتعلقة بانتشال الجثث والبحث عن الناجين، فضلاً عن العثور على الصندوق الاسود الذي يتضمن كل البيانات والمفترض ان تصل عبر التحقيق الى النتائج القاطعة عن الاسباب التي ادت الى الكارثة.
وتشير كل المعطيات الى انه من الصعب العثور على الناجين بين ركاب الطائرة المنكوبة مع التأكيد على ان مجمل الجثث التي تم انتشالها حتى الآن تحددت رسمياً بـ14 جثة، جرى التعرف الى بعض اصحابها، على ان تساعد فحوصات دي ان.اي التي جرت في مستشفى رفيق الحريري الحكومي عن تحديد هويات الجثث والتعرف الى اصحابها بالكامل تمهيداً لتسليمها الى اصحابها، على ان يتم تحديد مواعيد التشييع الجماعية في ضوء انتهاء عمليات التفتيش والبحث التي انضمت إليها فرق غطاسين ومغاوير بحر، فضلاً عن وصول وفد رسمي أثيوبي للمشاركة في التحقيق، في وقت مكثت فيه البحريتان التركية والألمانية في البحر لرصد الشاطئ والقيام بعمليات الغطس عندما تحين الفرصة، خصوصاً وأن لبنان غير مجهز بالإضاءة اللازمة للقيام بمهمات ليلية على هذا الصعيد.
سيناريوهات مفترضة وبعيداً عن عمليات المؤاساة والانقاذ، تعددت السيناريوهات المفترضة للحادث المفجع، وساق خبراء الطيران والوزراء المعنيون سلسلة من الافتراضات ظلت معلقة على دفتر بيانات الصندوق الأسود.
1- هل ثمة نقص في التنسيق بين برج المراقبة في مطار بيروت وقبطان الطائرة، وهل صحيح أن الكابتن الأثيوبي أدار الظهر الى التعليمات التي وردت إليه بتأخير الإقلاع أو عدم التحليق عالياً، حيث ارتفع بدقائق الى 8000 قدم، الأمر الذي أفقده الاتصال ببرج المراقبة في بيروت ومطار أديس أبابا.
2- هل كان يترتب إغلاق مطار بيروت أمام حركة الملاحة الجوية، في ظل اشتداد العاصفة، وإن كان مثل هذا التدبير غير معتمد في مطارات العالم إلا على نطاق ضيق.
3- استبعدت نظرية الارتطام الصاعقي للطائرة لا سيما وأن بوينغ 737 هي من أكثر الطائرات تجهيزاً وهي من الجيل المتطور تقنياً، والذي يطير فوق المحيطات والبحار في أوروبا وأميركا وفي ظروف جوية أقسى مما كانت تشهده ليلة بيروت من رياح وطقس عاصف وبرق ورعد، وإن كانتثمة فرضية يرجحها طيارون من إمكانية حدوث نوع من الارتطام تسبب بلهب واشتعال.
4- التقت كل المعطيات التي توفرت للأجهزة الرسمية من جيش وقوى أمن وطيران مدني على استبعاد نظرية التخريب أو العمل الارهابي، وهذا ما أعلن رسمياً على لسان وزير الإعلام طارق متري في السراي الذي أشار الى أن لا دليل على ما يشير الى عملية تخريبية وراء الحادث، لافتاً الى أن الأجهزة الأمنية تقوم بكل ما يلزم ويجب انتظارالتحقيق لمعرفة الأسباب الحقيقية للكارثة.
وأعلن متري أنه حتى الآن تم إنتشال 14 جثة هي في مستشفى بيروت الحكومي، لافتاً إلى الأدلة الجنائية تقوم بعملها اللازم وإلى أن بواخر ألمانية وتركية وأميركية تقوم بعملية سبر شامل لمكان وقوع الطائرة للبحث عن ناجين.
وأشار إلى أن عملية البحث والإنقاذ وفق الاعراف الدولية تستمر 72 ساعة، معتبراً أن باقي ركاب الطائرة هم مفقدون حتى الآن.
وأعلن أن هناك طائرات أقلعت وحطت في نفس وقت الطائرة الأثيوبية وأنه لم يكن هناك من سبب يدعو إلى إيقاف عملية الطيران وكل شيء سيظهر بعد التحقيق.
ورداً على سؤال حول تمديد أيام الحداد، قال متري: <الحداد الوطني أعلن اليوم، وغداً سنرى>.
وبدوره، استبعد وزير الأشغال غازي العريضي، الذي كان اعلن عن تشكيل لجنة تحقيق بمعونة فرنسية، فرضية العمل التخريبي، داعياً إلى إنتظار المعلومات من الصندوق الأسود، مشيراً إلى أن المعنيين في برج المراقبة تصرفوا بحكمة، وكانوا في أقل من ثلاث دقائق على تواصل مع قائد الطائرة، لافتاً إلى أنه قبل إقلاع الطائرة الأثيوبية بثلاث دقائق أقلعت طائرة قبلها، كما اقلعت ثلاث طائرات ولم يحصل أي شيء، كاشفاً بأن اللجنة استمعت إلى التسجيلات في برج المراقبة، وكان الأمر طبيعياً، كما كشف العريضي بأن برج المراقبة أعطى الطيار إتجاهاً معيناً، لكنه غير الطريق، فراجعه برج المراقبة مرة ثانية لكن الطيار لم يلتزم، وبعد ذلك حدثت تغيرات سريعة واختفت الطائرة عن الشاشة.
ولفت إلى أن البعثة الأثيوبية وصلت، وان اللجنة التي تم تشكيلها ستضم كبار طياري ومهندسي الدولة اللبنانية والدولة الأثيوبية وأيضاً الدولة المعنية بالتصنيع، وسيتم التعاون مع الشركة الفرنسية لبيان الأسباب.
وقال مصدر ملاحي مسؤول ان الإجراءات التي سبقت إقلاع الطائرة كانت عادية، بما في ذلك العلاقة مع برج المراقبة، مستبعداً أن يكون الطيار لم يلتزم بالتعليمات التي اعطيت له.
لكن المصادر المسؤولة في مطار بيروت رفضت الدخول في تكهنات، ودعت إلى إنتظار العثور على الصندوق الأسود الذي سيحدد بشكل دقيق مسار الرحلة منذ إنطلاقها من مطار بيروت، وتشكل بحد ذاتها أو عملية.
وكشفت مصادر معنية أن قوى الجيش عثرت على شاطئ خلدة على قطعة محروقة، وان الجيش سيحيلها إلى مختبرات تحقيق دولية لمعرفة إذا حصل حريق في الطائرة قبل سقوطها الى البحر، في حين لفت وزير الصحة محمد جواد خليفة، في مؤتمره الصحافي، أنه لو حدث إنفجار في الطائرة لكانت الطائرة قد تفتت إلى أجزاء، والجثث إلى أشلاء، وهذا يخالف العثور على جثة الراكب حسين تاج الدين شبه مكتملة، وقد امكن التعرف عليه من جواز سفره واوراقه الثبوتيةا لتي ظلت سليمة ولم تحترق.
ومهما كان من امر فإن كارثة الطائرة ستكون اليوم امام مجلس الوزراء من خارج جدول الاعمال.
وعلمت <اللواء> ان قضية الانتخابات البلدية ستطرح بكل ما يتعلق بالتعديلات التي اقترحها وزير الداخلية زياد بارود على قانون الانتخابات البلدية، كما سيقر الاعتمادات المالية التي طلبها بارود لاجراء هذه الانتخابات في موعدها، او بتأخير تقني لمدة شهر واحد.
تجدر الاشارة الى ان مكتب التحقيقات والتحليلات التابع لهيئة الطيران المدني الفرنسية اعلن عن ارسال اثنين من محققيه الى بيروت للمشاركة في التحقيقات الفنية الخاصة بحادث سقوط الطائرة.
واشار مكتب التحقيقات في بيان له، ان ارسال هذين المحققين يأتي وفقا للاحكام الدولية وفي اطار اتفاقية التعاون الموقعة بين المكتب وهيئة الطيران المدني اللبنانية، وذلك من اجل مساعدة هيئة الطيران المدني اللبنانية في التحقيقات الفنية الجارية من اجل الكشف عن ملابسات الحادث.
واضاف المكتب ان الكشف عن المعلومات الخاصة بالتحقيقات الفنية تظل من مسؤولية هيئة الطيران المدني اللبنانية.
وكانت وزارة الخارجية الفرنسية قد سبق ان اعلنت انه تم ايضا ارسال طائرة تابعة للدوريات البحرية الفرنسية، اقلعت بالفعل من قبرص متوجهة الى موقع سقوط الطائرة، للمشاركة في جهود البحث عن ضحايا وحطام الطائرة.
وكان رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان قد تابع اعمال انقاذ ضحايا كارثة الطائرة الاثيوبية لحظة بلحظة وبقي على اتصال مستمر فور تلقيه النبأ مع كل من رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري ووزراء الدفاع الياس المر، والداخلية والبلديات زياد بارود والاشغال العامة والنقل غازي العريضي والصحة محمد جواد خليفة وقائد الجيش العماد جان قهوجي لمواكبة الخطوات الانقاذية والتدابيرأولاً بأول.
وزار الرئيس سليمان بعيد تلقيه خبر الطائرة المنكوبة وزارة الدفاع وعقد مؤتمراً صحافياً كما تفقد مساء مستشفى رفيق الحريري الحكومي حيث نقلت جثامين ضحايا الطائرة المنكوبة الى هناك.
ووصف الرئيس سليمان حادث الطائرة <بالمؤلم جدا>، وان لبنان بشعبه وحكومته ومؤسساته كافة يبذلون الجهود الكبيرة لانقاذ الركاب المفقودين مستبعدا بدوره العمل التخريبي.
بدوره، توجه الرئيس سعد الحريري الى مطار رفيق الحريري في بيروت بعد اعلان الحداد ليوم واحد واطلع من وزير الاشغال غازي العريضي الذي كان هناك على آخر المعلومات المتوافرة عن سقوط الطائرة المنكوبة وعمليات الانقاذ الجارية ثم انتقل الى صالون الشرف يرافقه الرئيس نبيه بري الذي حضربدوره الى المطار والتقىاهالي ركاب الطائرة الموجودين في صالة الشرف.
واكد الرئيس الحريري في مؤتمر صحافي عقده في مطار بيروت <نحن كدولة تريد ان نعرف كيف سقطت هذه الطائرة، وستكون هناك شفافية في معرفة الأمر، وسنجد الصندوق الأسود، وسنبذل كل ما في وسعنا لإيجاده ومعرفة فعلياً ما حدث للطائرة، وهذا وعد من الدولة. فسلامة المسافرين وسلامة كل المواطنين اللبنانيين أمانة في أعناقنا. وعلينا أن نقوم بواجباتنا>.
ووصف حادثة الطائرة بالمأساة الكبيرة بالنسبة للبنان مؤكداً العمل مع كل الوزراء وكل القوى لدينا لمحاولة إيجاد الأشخاص المفقودين الذين كانوا على متن الطائرة.
ومن المقرر أن يتوجه الرئيس الحريري مساء اليوم إلى القاهرة لإجراء محادثات مع الرئيس المصري حسني مبارك ورئيس الوزراء المصري أحمد نظيف.
وأشارت مصادر دبلوماسية مصرية رفيعة المستوى لمراسل <اللــواء> في القاهرة إلى ان لقاء الحريري مع الرئيس مبارك ورئيس الوزراء والحكومة سيشهد تدشيناً لتعاون كبير مستقبلي وتنشيط للعلاقات الاقتصادية والتجارية، إلى جانب التنسيق السياسي في كافة المجالات.
< في واشنطن، قدمت الرئاسة الأميركية تعازيها بضحايا الطائرة الأثيوبية، وقال روبرت غيبس المتحدث باسم البيت الأبيض في مستهل مؤتمره الصحفي اليومي ان <أفكارنا وصلواتنا ترافق العائلات والأصدقاء الذين فقدوا أحباءهم>. وأضاف ان <الولايات المتحدة تشيد برد الفعل الفوري للحكومة اللبنانية ومسعفي الأمم المتحدة>.
الصندوق الاسود
ترتكز التحقيقات في حوادث الطائرات على الصندوق الاسود، وفي كل طائرة صندوقان مثبتان في مؤخرة الطائرة، الاول يحفظ البيانات الرقمية وإحداثيات الطائرة، اما الثاني فوظيفته تسجيل ما يدور في قمرة القيادة من احاديث واتصالات.
والصندوق الاسود لونه برتقالي او اصفر بعكس ما يظن الناس انه اسود وذلك لتمييزه بسهولة بين حطام الطائرة.
ولا يزال سبب التسمية غامضاً وقد ذهب البعض الى وصفه بالاسود بسبب الكوارث الجوية وحوادث تحطم الطائرات وهناك رأي آخر يقول:
إن السبب هو مسجل المعلومات الاول.
كما أن هناك تفسيراً آخر يتعلق بمقابلة بين صحافي ومخترع فكرة الصندوق عالم الطيران الأوسترالي د. ويرن حين قال له الصحافي انه <صندوق أسود رائع>.
ومن مميزات الصندوق أن مدة التسجيل تصل الى 120 دقيقة وهو مقاوم لنيران تصل الى 1100 درجة مئوية وهي درجة احترق الكيروسين.
والصندوق مجهز ببث غوص ينطلق اذا ما سقط في الماء ويصدر إشعاراً فوق الصوتي يمكن التقاطه عن عمق يبلغ 14000 قدم والبطاريات فيه تعمل مدة 6 سنوات.
كتب حسن شلحة: هل يمكن جعله محطة للتوافق على استراتيجية دفاعية وأخرى سياسية لحفظ حقوق الوطن والمواطنين؟
كتبت هنادي السمرا: بري اقفل المجلس حداداً وغيّب عن بيان التأجيل موعداً لاحقاً