#adsense

ليل خلده الطويل

حجم الخط

ثلاث دقائق بين الاقلاع ورحلة الموت.

في ثلاث دقائق تحول بحر خلدة الى مقبرة، ابتلعت كل من كان على متن طائرة الركاب الاثيوبية، وعددهم 90 شخصا من بينهم 54 لبنانيا.

ليس أقسى من الموت الا انتظار اعلان الموت. قاعة الشرف في مطار رفيق الحريري الدولي، تحولت الى قاعة انتظار مريرة لاعلان ذاك الخبر، ومستشفيات بيروت تحولت الى قاعات غضب تكاد تلامس الثورة بإنتظار تسليم وتسلم جثث أحباء تأكدت حقيقة موتهم، وغابت معالمهم بفعل التشوه.

صراخ… تدافع… انهيارات… عناقات… مواساة… ذهول… هو ذاك المزيج من المشاعر الدافقة المجنونة في مواجهة الاخبار المفجعة، وكلما تقدم الوقت كلما خبت شعلة الامل في العثور على ناجين، بينما وقف عدد من الاهالي عند شاطىء خلده يستحلفونه وينادون عليه الا يلتهم المزيد من الاحباء. لكن النداءات والصلوات، بدت عبثية بعدما تناثرت بدورها وتقاذفتها الامواج العاتية مع الامتعة والحقائب، واحيانا مع بعض الجثث المشوهة، وليلفظ البحر في نهاية النهار حقيقة واحدة لم تعد تقبل جدلا: لا ناجين، ومن بين القتلى طفلان.

حقيقة أكثر من قاسية، صورة أكثر من مأساوية لمواطنين من طوائف ومناطق متعددة، اضافة الى اجانب، لم يتصوروا لحظة انهم سيكونون ضحية المجهول او ربما خطأ تقني او انساني ما او ربما غير ذلك. اذ لم تكشف الحقائق بعد حقيقة الصندوق الاسود، لكن الاكيد ان الطائرة الحديثة الصنع، غابت عن شاشات الرادار بعد ثلاث دقائق من اقلاعها، وشوهدت تحترق في الجو على بعد خمسة اميال من الشاطىء، قبل ان تقع وترتطم بعنف بسطح البحر، وتتناثر حطاما على صفحة المياه الباردة.

جهود دولية تضافرت لارسال المساعدات اللوجستية وخصوصا الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وقبرص واثيوبيا. كبار المسؤولين في الدولة اعلنوا استنفار الاجهزة المعنية كافة والحداد العام واقفال المؤسسات الرسمية والمدارس والجامعات. عُلق بحث الشؤون السياسية في البلاد. طارت جلسة مجلس النواب التي كانت مقررة لبحث خفض سن الاقتراع، لتنجو من انفجار التجاذبات السياسية، وليقرع البلد أجراس الحزن، ونُكّست اعلامه ليتسنى لدمعة الناس المفجوعة، ان تُذرف بسخاء على من فُقدوا.

وفيما كان المسؤولون يتسابقون لاعلان استبعاد أي عمل تخريبي في الطائرة، أسدل الليل ستائره، بعدما اُسدلت الستارة على حياة عشرات المواطنين. اخرون بقيوا تحت الليل وتحت رحمة الازرق الصغير يلفهم الغموض عند شاطىء خلده، بينما تتقاذف الامواج ما تبقى من أمتعة وبقايا أجساد غادرتها الحياة بوحشية، وتقف الحياة حائرة أمام مصير مماثل.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل