مرّة اخرى ترتدي قريتي حناويه ثياب الحداد، فهي خسرت بالأمس ثلاثة من خيرة ابنائها المغتربين، الطافحين بالأمل والعابقين بالنخوة والشهامة، وقد كانوا في طريقهم الى انغولا.
ليست المرة الاولى التي تذرف فيها بلدتي دموع الحزن على ابنائها الذين يقضون على دروب الهجرة والبحث عن لقمة العيش الكريمة والصعود الى فضاء الرقي والتطور الاجتماعي. فقبل اعوام بكت كمداً على امامها الشيخ علي خاتون وثلة من ابنائها الذين قضوا في طائرة كوتونو، وقبلها بأعوام فقدت ثلاثة من فتيتها سقطوا وهم يسعون في اقاصي زائير ومجاهلها.
حناويه، نجمة الصبح، موعد دائم مع اللوعة والدمعة، تارة وهي ترفع مناديل الوداع وتارة وهي تلوح بمناديل الحداد على من أتى خبرهم ونعاهم الناعون وهم يكدّون في مناكب الأرض بحثاً عن حياة أفضل وفرصة لم يجدوها في وطنهم.
بلدتي، والهجرة والاغتراب، قصة ضاربة في جذور الماضي السحيق، فكما مصر هبه النيل، هي هبة الاغتراب، اذ ما من بيت إلا وله في القارة السمراء رسل أمل ووعد بانبلاج الفجر المنشود.
قريتي قريتان، واحدة متجذرة واخرى تقيم على التعب والجهد والسهاد على أمل العودة الى هاتيك الجذور المنتظرة على أحر من الشوق عودة من ابتعلتهم عتمة الغياب ذات صبيحة، فتركوا في الارض عبقهم وضوع ذكراهم، وخلّفوا حنيناً وتحناناً.
ويا صديقي ورفيق ايام الصبوة الاولى، قاسم تاج الدين، يا رمزاً نفخر بنجاحه وعطائه وطيبته، أخالك مثقلاً بحزنك على فقدك شقيقك حسن، كما كنت أعهدك دوماً مثقل الاكتاف بهمّ البحث عن فرص لتساعد ابناء قريتك جميعاً والقرى المجاورة، اعهدك وأنت الممزوج طيبة وبساطة بقيتا سمتك الدائمة التي لم تغادرك لحظة من نهار، رغم ما حباك الله به من ثروة، شغوفاً بالبحث عن جسور العبور لكل من يستطيع نحو أفق أرحب وحياة أفضل، حتى صرت المثال للاغتراب ومدرسة مميزة في خدمة ابناء البلدة، والمنطقة وكل الوطن، نباهي بها الآخرين، ونقول لهم: على هذا فلينافس المتنافسون، ويتزاحم المتزاحمون.
يا صديقي وتربي وابن بلدتي: مصابك جلل، والرزيّة عندنا كبيرة، فصبراً وأجراً، ما عهدناك إلا صاحب إيمان عميق، راسخ، قادر على المواجهة والتحمل.
والى ابناء بلدتي حناويه عزاؤنا اننا ندفع ثمن طموحنا المشروع في ملحمة الاغتراب والكفاح، فنحن ابناء حياة ونحب الحياة.