#adsense

عـزاء لبنـان

حجم الخط

مؤسف حقا ألا يشعر اللبنانيون أنهم في دولة إلا في الفواجع الكبرى. ومقلق فعلا ألا يشعر اللبناني انه ينتمي الى مجتمع إلا في الكوارث الكبرى. لكأنه القدر الذي يريد أن يختبر الوطن الصغير ويدفع شعبه الممزق نحو الشراكة في الحزن والحداد، ليس إلا.

كارثة الطائرة الأثيوبية التي أودت بحياة 93 راكبا بينهم 54 لبنانيا ولبنانية غالبيتهم في عمر الورد، بدت اشبه بقربان جديد يقدم لمشروع الدولة التي ملّ اللبنانيون من انتظارها ومن حمل شعار إعادة بنائها، فإذا هي موجودة منذ اللحظات الاولى، بكامل قياداتها ومؤسساتها في غرف العمليات وفي المطار وعلى البر وفي البحر، تشعر بالمسؤولية عن انتشال الضحايا بأسرع وقت ممكن، وبأي مساعدة متاحة وعن مواساة ذويهم، وعن الاعلان عن ان البلد كله منكوب، وفي حالة طوارئ وتعبئة شاملة لكل القطاعات.

لا وقت للمزايدة ولا الاختلاف امام هول الكارثة التي تعامل معها الجميع باعتبارها إرادة السماء، على تعدد المعاني التي تختزلها تلك الكلمة، وحكم القضاء الذي لا يرد، لكنه يقيس المعايير الانسانية والاخلاقية والمهنية في كل مسؤول ومواطن، بغض النظر عن درجة قربه من الضحايا وذويهم، ويؤسس لثقافة وطنية حقيقية لا تحفظ سوى العيوب والعاهات التي يختزنها المجتمع اللبناني.

الكل في الحزن سواء، لأن الكل على سفر. ليس هناك منزل لبناني الا وشعر ان الفاجعة اصابته، او هزت اعصابه بعنف. والخطوط الجوية والبحرية والبرية ليست فقط شريان حياة بالنسبة الى اللبنانيين اكثر من اي شعب آخر. هي ايضا هوية ثانية للبنان، منذ ان كان كيانا اصغر من ان يستوعب كفاءاته، وأكبر من ان يحتفظ بطموحاته.. برغم انه كان ظالما في بعض المراحل لأبنائه، يجبرهم على الهجرة، ويخاطر بأرواحهم لكي يتلقى تحويلاتهم ويعلن أنه مزدهر بها وحدها.

هي لحظة ضعف شديد لأي لبناني ولكل الوطن، تبدد الكثير من الحساسيات المتراكمة على مر التاريخ، وبينها ما هو مشين، ومسجل حتى في أوقات الهجرات الكبرى والمآسي العظمى، التي لا تنفك تتكرر، وتأتي كارثة مثل تلك التي حصلت بالأمس لتثبت ان الفكرة اللبنانية باقية، تتحدى جميع حالات الإنكار والنفي، وتمسح دمعة المصاب، وتطمئن المقيم، ولا تقلق المغترب، وتكسب احترام الآخرين وتقديرهم، وتجعلهم يهرعون الى تقديم المساعدة الطبيعية في مثل هذه الحالات بدوافع انسانية وأخلاقية تجاه شعب يثبت وجوده ودولة تؤكد حضورها.. ولا تنسى التعاطف والتضامن مع الدولة الأثيوبية خاصة التي فقدت هي الاخرى بعضا من زهرات شبابها وشاباتها المهاجرين الى لبنان لكسب رزقهم وسد عوز أسرهم.

ثمة زاوية واحدة للنظر هذه اللحظات: في اتجاه البحر، ولا يجوز بأي حال من الاحوال اليأس من امكان ان يخرج منه ولو ناجيا واحدا من ركاب الطائرة المنكوبة. هذا هو التحدي الوطني الأكبر والأهم.. والأرقى .

المصدر:
السفير

خبر عاجل