حزينة قصّة الطائرة الاثيوبية، التي هوت بركابها قبالة الشاطئ اللبناني.
الأسف شديد على كل ركاب الطائرة، إلى أي بلد انتموا. لكن لدى اللبنانيين سببا إضافيا للحزن والأسى على واحد وخمسين من مواطنيهم، هم نموذج عن أعداد غير محدودة من الرجال والنساء، لا سيما الشباب، الذين أقفلت أمامهم أبواب الرزق والعيش الكريم في بلدهم لبنان، فاختاروا الهجرة بكل أثمانها ومخاطرها، وأحيانا مآسيها.
أجيال من المسؤولين تعاقبت على كراسي الدولة منذ عقود، لم تبن للأجيال الجديدة فرصا للحياة الآمنة والكريمة، بل خيّرتهم أحيانا كثيرة بين الموت حربا أو الموت جوعا، فكانت الهجرة هي الحلّ والملاذ.
لكن الهجرة ليست مجرد ثروات سهلة وأهداف يسيرة ، بل هي أيضا مخاطر ومشقات وصبر ومعاناة. هي أيضا مغامرة تفشل وأحلام تتحطم ومواجهة للاعتداءات والجرائم، وطائرة تهوي وتودي بالمكافحين سعيا وراء الحياة الكريمة.
رغم هذا الثمن، لا يكف غير المقيمين عن تغذية الاقتصاد الوطني المقيم بالروح وبالدم، وفي بعض المراحل، مثلما حصل في السنوات الأخيرة، عطل الصراع السياسي والأداء السياسي النشاط الاقتصادي حتى العدم، وبات البلد يعيش على تحويلات واستثمارات غير المقيمين، وبفضلها، قبل أي شيء آخر. لقد اقتربت تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج من ربع الناتج المحلي القائم، وهي من أعلى المعدّلات في العالم.
غدا، أو بعد غد، لا بدّ من أن يقف مسؤول كبير أمام الرأي العام ليعدّد الإنجازات الاقتصادية للدولة. سيقول بلهجة تنبعث منها رائحة الاعتزاز والانتصار، ان ميزان المدفوعات حقق فوائض تاريخية، والتحويلات فاقت عجز الحساب التجاري، وإن الودائع تضاعفت والاحتياطات لا سابق لها.. وسيقول ان العالم كله انهار تحت تأثير الأزمات العاصفة ولكن لبنان صمد..
إذا سمعتم ذلك أيها اللبنانيون تمتموا بصلوات خافتة كي يحفظ الله ويوفق اللبنانيين المنتشرين في العالم، الذين لم ينسوا أهلهم ووطنهم، وكي يتغمّد برحمته شهداء الطائرة الأثيوبية.