#adsense

من كارثة الطائرة الى الكوارث السياسية

حجم الخط

لبنان يبدو كالعادة موحداً أمام الموت، ومنقسماً حيال ما تتطلب الشروط الانسانية للحياة. فما يجمع المسؤولين والناس هو الحزن حين تقع كارثة لا يد لنا فيها، سواء كانت من صنع الطبيعة أو من كوارث الطيران. وما يفرّق التركيبة السياسية هو سياسة الكوارث التي تصنعها بأيديها في حق الناس بحجة التمسك بحقوق الطوائف والمذاهب عبر المحاصصة.

ذلك أن الحزن على ضحايا الطائرة الاثيوبية جمع كل المسؤولين المختلفين في استنفار كامل، لكن الاهتمام بأهالي الضحايا المحزونين القلقين لم يكن كاملاً بحيث وجدوا أنفسهم غاضبين. فما كشفته الكارثة هو ثلاثة أمور. أولها مدى النخوة والاستعداد لدى المسؤولين والناس لفعل كل الممكن والبحث عن الحطام والضحايا والسعي لمعرفة الحقائق والملابسات. وثانيها افتقار لبنان الى التجهيزات التقنية الضرورية لمواجهة كارثة كهذه، وبعضها تملكه دولة صغيرة مثل قبرص.

وثالثها ان يوم الحداد الوطني على ضحايا الطائرة كان أيضاً يوم حداد الشباب على أصواته والمخرج الذي طيّر الجلسة المخصصة للتصويت على مشروع القانون من دون أن يتحمل أحد المسؤولية.

والمفارقة أن أمراء الطوائف مختلفون على أمور متفق عليها في الخطاب السياسي: خفض سن الاقتراع، استعادة الجنسية، وتصويت المغتربين. وهو ليس خلافاً على الطريقة التي رافقت نشوء الجمهورية والاستقلال عبر ما سمي (الالتباس الخلاق) أو (سوء التفاهم المتفق عليه) بل خلاف على تطبيق التفاهم. ففي خفض سن الاقتراع مشروع قانون سبقته عريضة نيابية وقعتها الكتل ووافق عليها المجلس. وفي استعادة الجنسية مشروع قانون في المجلس. وفي تصويت المغتربين قانون أقره المجلس وبقيت آلية التطبيق. ومع ذلك، فاننا في مشكلة سلة متكاملة تبدو كأنها نوع من وضع الماء في سلة. فلا اقرارها بالجملة يحدث. ولا اقرارها بالمفرق ممكن. ولا أحد يقول انه ضدها بالمطلق.

لماذا? لأن الهواجس توحي أننا في لعبة عدد في غياب التعددية الحقيقية. ففي العالم الراقي نظامان للانتخابات: نسبي في دوائر كبيرة، وأكثري في دوائر فردية. أما نحن، فاننا ضد النظامين معاً. وفي العالم مدرستان حول سنّ الاقتراع. واحدة لخفضه حتى سن الخامسة عشرة. وثانية لرفعه الى ما فوق الحادية والعشرين على أساس ان سن الرشد البيولوجي شيء وسن الرشد السياسي شيء آخر. أما نحن، فاننا أسرى العدد لأسباب طائفية ومذهبية.

والنتيجة واضحة: نظام طائفي مفلس، نرفض تغييره خوفاً من غلبة طائفية مقنّعة. وهرب دائم من بناء مشروع الدولة.

المصدر:
الأنوار

خبر عاجل