#adsense

ما يجمع وما يفرٍّق

حجم الخط

فلندخل، إذاً، في صميم المشكلة اللبنانيَّة، وفي تفاصيلها الدقيقة. وفي الأسباب الحسَّاسة التي تعمّق الانقسام الطائفي، وتكرٍّسه بديلاً من "الصيغة الفذَّة" أو مرادفاً لها أو متلازماً معها.
حتى عندما يُطرح مشروع أو اقتراح يدعو الى الغاء الطائفيَّة السياسيَّة، أو خفض سن الاقتراع، أو الغاء المركزية الادارية.

فهذه "الافكار" الاصلاحيَّة والضرورية التي يُفترض ان تهدف الى تطوير النصوص وتهيئة الدولة المتخلٍّفة والمفككة للانخراط في الحداثة وفي مفاهيم العصر، لا تزال تثير الشكوك والريبة والمخاوف لدى شريحة كبيرة من اللبنانيين.
ولدى المسيحيين، بصورة واضحة.
أو لدى فئة منهم.

ربما كان السبب التوقيت، أو الأجواء، أو الاسلوب، أو "الجهة" صاحبة المبادرة.
حتماً، ليس القصد من هذه الاقتراحات التغييريّة اعادة الهواجس التقسيميّة، أو "التقزيميّة"، أو التهميشيّة، الى فريق أساسي في البلد والدولة والمؤسسات والصيغة. ويشكَّل في كل الحالات النصف الآخر والمكمّل الذي رسا عليه نص اتفاق الطائف، ثم كرّسه الدستور الذي احتل محل دستور الاستقلال وميثاقه الوطني غير المكتوب.

حتى بالنسبة الى التعيينات الاداريَّة، التي يتهيأ أفرقاء اساسيّون لتحويلها مشروع مواجهة، ومنازلة إن لم تكن التوزيعات والحصص والمناصب على ذوقهم ومستجيبة لشروطهم، يلمس الناس بوضوح حجم الدور الطائفي وحجم نفوذ الطوائفيّين.
وعلناً، وجهاراً، وباصرار.

إذاً، كيف نوفٍّق بين الغاء الطائفية في هذا المكان ونستحضرها بكل ضجيجها في ذاك وذيّاك؟
إما ان تكون هناك خطة متكاملة، وعن اقتناع راسخ، لالغاء الخيمة الطوائفية عن هيكل الدولة ولو خطوة خطوة، وتباعاً، وبالتقسيط، وإما ان ندع كل شيء على حاله، وكل نص على مضمونه، ونحتكم كالعادة الى منطوق النصفين، والحصّتين، والدولتين، والمؤسستين، والى كل ما من شأنه توطيد دعائم الانقسام "الدستوري" بين نصفين، وبين مسلمين في هذا النصف ومسيحيّين في ذاك.

وإما ان نوقف كل هذا المسلسل الذي لا يخلو من عناصر التهويل، مهما أضفينا عليه من "رغبة" في التحديث والتقدّم… والابتعاد عن نفوذ الطائفيّة.
فلنكن حرصاء، ونحن نخوض غمار محاولات سياسيَّة مسربلة بالالتباسات والغموض، حتى الإبهام.

ولنكن واقعيّين ودقيقين وشفّافين، حين يخطر لنا أن نطرق باب مقومات الميثاق الوطني، وباب قدس أقداس الصيغة، وجوهر العيش المشترك، والقيم التي تميٍّز هذه التركيبة غير المتجانسة، أو هذا الكوكتيل الذي يجمع بين كل الألوان والمذاقات، مثلما يجمع بين الماء والنار.

فلماذا، والحال هذه، لا نبتعد عن كل ما من شأنه إثارة القلق الجماعي، واثارة الشبهات، في وقت أكثر ما يحتاج اليه لبنان هو إبعاد شبح الماضي، وإبعاد مشاريع الارتياب، وإبعاد نواقيس الهواجس والكوابيس.

ولنتّجه جميعنا كلنا، ومن صميم القلب، وبارادة صادقة، في اتجاه ترسيخ الايجابيات والخطوات البناءة التي تجمع لا تفرق، والتي تعيد الطمأنينة الجماعية الى النفوس.

فكل ما يطرح الآن من مشاريع قوانين واقتراحات تغييرية، يمكن تأجيله الى يوم يصير فيه لبنان راشداً وناضجاً، ويصير فيه اللبنانيون لبنانيين، متساوين في السرّاء والضرّاء.

المصدر:
النهار

خبر عاجل