#adsense

إما الوحدة الوطنية بالمناصفة.. وإما الانصهار الوطني بالتغلّب

حجم الخط

المساواة الأمنية شرط كل مساواة قانونية وسياسية سواء على مستوى الجماعات أم على مستوى الطوائف
إما الوحدة الوطنية بالمناصفة.. وإما الانصهار الوطني بالتغلّب

يعلم الكبير والصغير في لبنان ما هي "القضايا الخلافيّة" بين طوائفه، أي القضايا التي تخالف إستقرار "الوحدة الوطنيّة" الإسلاميّة المسيحيّة، أو التي تخل بالتوازن الذي تقوم عليه هذه الوحدة.
مع ذلك، لا تزال هذه القضايا تطرح، وبشكل تصاعديّ في الآونة الأخيرة، وبالتوازي مع تجربة "وحدة وطنيّة" حكوميّة تعكس هدوءاً إقليميّاً من ناحية، وترقّباً إقليميّاً من ناحية أخرى.

وبعد أن كنّا في السنوات الأخيرة تحت رحمة "الأهواء التعطيليّة" المستظلّة بمقولة "التوافق التام أو الشلل التام" إلا في شأن "المقاومة" التي لا حاجة بها إلى "إجماع" من أي شكل كان، فقد صرنا اليوم تحت رحمة "القضايا الخلافيّة" المستظلّة هذه المرّة بمقولة "الإنصهار الوطنيّ"، الموجّهة، وبحماسة، ضد منطق "الوحدة الوطنيّة".

ولأجل ذلك فإنّ الخيار المطروح على اللبنانيين هو بين "إنصهار وطنيّ" يعرّض بأساسات "الوحدة الوطنيّة" الإسلاميّة المسيحيّة، أو بين "وحدة وطنيّة" إسلاميّة مسيحيّة تعفي نفسها من أيديولوجيا "الإنصهار الوطنيّ" في كافة أشكالها وتجلياتها.

فإمّا "الوحدة الوطنيّة" على أساس المناصفة الإسلاميّة المسيحيّة التي هي حصيلة وحدة إسلامية إسلامية من ناحية ووحدة مسيحية مسيحية من ناحية وحصيلة اللقاء التاريخي بين المسلمين والمسيحيين على صناعة الإستقلال اللبناني الثاني

وإمّا "الإنصهار الوطنيّ" على قاعدة إتاحة المجال لمشروع الهيمنة الفئويّة الفئوية الأخير كي يتغلّب بالسلاح، والديموغرافيا، والأيديولوجيا الدينيّة، على من سواه.

ليس هناك من خيار آخر، ولا وجاهة للتخليط، في المقام اللبنانيّ، بين منطق "الوحدة الوطنيّة" وبين أيديولوجيّة "الإنصهار الوطنيّ". الوحدة الوطنيّة اللبنانية هي غير إنصهارية، ولا إنصهاريّة حكماً. والإنصهاريّة كانت على الدوام في لبنان نزعة طاردة وفئوية من جهة أولى، وهجوميّة وتغلّبية من جهة ثانية.
ثمة بالتالي فارق كبير في أن يفهم "العيش المشترك" ضمن منطق الوحدة الوطنية الإسلامية المسيحيّة، وبين أن يفهم ضمن الأيديولوجيا الإنصهارية اللاطائفية، التي لا تجتهد كثيراً لإخفاء وجهها الفئويّ طائفيّاً ومذهبياً عند كل عتبة خلافية.

وإتفاق الطائف لم يحسم الأمر لصالح منطق الوحدة الوطنية الإسلامية المسيحية أم لصالح الأيديولوجيا الإنصهارية، إنّما قدّم "العيش المشترك" كمعيار للحكم على هذا المنطق أو على هذه الأيديولوجيا. قال الإتفاق بالمناصفة، ولم يضع لها حدّاً زمنيّاً تتوقف بعده، وقال بالشروع في إلغاء الطائفيّة، ولم يضع حدّاً زمنيّاً يفترض الغاؤها بتوقيته.

لكن في فلسفة إتفاق الطائف، ما يحدّد بدقّة، كيفية الإختيار لاحقاً بين "الوحدة الوطنيّة" وبين "الإنصهار الوطنيّ".
وفقاً لهذا الإتفاق، كان من الممكن أن تتطوّر "الوحدة الوطنيّة" اللبنانيّة في إتجاه "إنصهاريّ" عادل وغير فئويّ ومنفتح، لو أنتهت الحرب، بناء على هذا الإتفاق، وفقاً لمعادلة لا غالب ولا مغلوب. وهي لم تنته كذلك، بل انتهت بغالب ومغلوب، مهما شئنا تزيين هذه الحقيقة. وعندما تنتهي الحرب الأهلية بمنطق غالب ومغلوب يصبح الخيار قائماً بين "الوحدة الوطنيّة" القائمة على الثنائية والتوازن والمناصفة وبين "الإنصهارية" غير المتوازنة والفئوية. فالإنصهار حينها يكون إنصهاراً على أساس الغلبة. أما "الوحدة الوطنية" فهي شكل إعادة تحقيق التوازن بين من خرج بنتيجة الحرب متغلباً ومن خرج بنتيجتها مغلوباً، بإتجاه إعادة بناء السلام الإجتماعيّ والوطنيّ.

ووفقاً لهذا الإتفاق، كان من الممكن أن تتطوّر "الوحدة الوطنيّة" في إتجاه "إنصهاريّ" عادل، وغير فئويّ، ومنفتح، لو جرى حلّ جميع الميليشيات. ذلك أن المساواة الأمنيّة على مستوى الطوائف كما على مستوى المواطنين هي شرط للمساواة القانونية والسياسية على مستوى الطوائف أو على مستوى المواطنين. وبما أنّ الأمر لم يحدث كذلك، فإنّ "الأيديولوجيا الإنصهارية" فقدت فرصة تاريخية لكي تثبت جدارتها في المجال اللبنانيّ.

وفي إتفاق الطائف، كان من الممكن أن تتطوّر "الوحدة الوطنيّة" في الإتجاه "الإنصهاريّ" لو هي تطوّرت في الإتجاه "السياديّ" أو "الإستقلاليّ" بدءاً من "إعادة إنتشار القوات السوريّة" كما ورد في الطائف. وبما أنّ الأمر لم يتحقق، ضاعت الفرصة هنا أيضاً، بل صارت الأيديولوجيا "الإنصهارية – اللاطائفية" هي أيديولوجيا أعوام "الوصاية السورية".. مثلما كانت الأيديولوجيا "الشيوعية" هي أيديولوجيا أعوام الإحتلال السوفياتي في بلدان أوروبا الشرقية.
من يريد العودة إلى زمن أيديولوجيا "الإنصهار الوطنيّ" يريد العودة إلى أيديولوجيا زمن الوصاية حتى من دون وصاية.

لقد وضع إتفاق الطائف اللبنانيين بعد الحرب أمام خيارين: إمّا تطوير وحدتهم الوطنيّة في إتجاه إنصهاريّ، لاطائفيّ، لو انتهت الحرب الأهلية بلا غالب ومغلوب، ولو قدّر للوصاية أن تزول سريعاً، ولو قدّر للدولة أن تحتكر منظومة العنف الشرعيّ، وإمّا تطوير وحدتهم الوطنيّة في إتجاه الثنائية المتشابكة، المتلاحمة، الإسلاميّة المسيحيّة، على أساس المناصفة الدائمة وقد صارت مرادفة لنهائية الوطن اللبنانيّ.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل