بعدما التقى الزعماء الموارنة على موقف واحد من إلغاء الطائفية
هل يلتقون على تصوّر مشترك لصيغة لبنان المستقبل ؟
تبدي أوساط بكركي ارتياحها الى وحدة موقف الزعماء المسيحيين وتحديداً الموارنة من موضوع إلغاء الطائفية السياسية ومن مسألة خفض سن الاقتراع، وتتمنى أن تستمر هذه الوحدة حول كل المواضيع المهمة والأساسية لكي يظلوا محافظين على دورهم، لأن استمرار انقسامهم وتفرقهم يسلبهم هذا الدور، إذ لا أحد يستطيع أن يأخذ دورهم وهم متوحدون ولا أحد يستطيع أن يعطيه لهم وهم متفرقون.
وترى الأوساط نفسها أنه لا يكفي أن تتحقق هذه الوحدة في مواضيع مهمة وتتباعد في مواضيع أهم، بل أن يكون توافق بين الزعماء المسيحيين على الاقتراحات التي تؤدي الى إلغاء الطائفية السياسية، بحيث لا يعود إلغاؤها يثير هواجس وقلق أي فئة لبنانية، وكذلك التوافق على خفض سن الاقتراع، لا أن يكون الرفض حباً بالرفض بل حباً بالتوصل الى ما يحقق التوافق بين اللبنانيين على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم. فإلغاء الطائفية من حيث المبدأ لا خلاف عليه ما دام جميع اللبنانيين يعتبرون الطائفية علّة العلل وآفة يجب العمل على استئصالها، إنما الخلاف هو على كيف يتم ذلك. فإذا كان لا بد من أن تكون الخطوة الاولى على طريق إلغاء الطائفية هي تشكيل الهيئة الوطنية، فإن تشكيلها يحتاج الى اتفاق وتوافق ايضاً لئلا يحدث تشكيلها خلافات حتى داخل كل طائفة تحول دون تشكيلها فيتعذر عندئذ تنفيذ المادة 95 من الدستور بعدما تعذّر تنفيذها 65 سنة. وإذا تم التوصل الى اتفاق على تشكيلها فإن الخلاف قد ينشأ حول اتخاذ الاجراءات الملائمة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وهي كثيرة ومتنوعة تبدأ بالمدرسة حيث ينبغي اعتماد كتاب موحّد للتاريخ وللدين وتنشئة وطنية واحدة وعدم الترخيص لأي حزب ما لم تكن تركيبته وطنية، وأن يصير اتفاق على أي صيغة للبنان تكون ملائمة له بعد إلغاء الطائفية، هل هي صيغة النظام الرئاسي أم نصف الرئاسي؟ هل هي صيغة النظام البرلماني الديموقراطي؟ هل هي صيغة المجلس الرئاسي، أم صيغة الفيديرالية التي تعتمدها دول عدة؟ هل بجعل لبنان مركزاً لحوار الاديان والحضارات؟ هل هي صيغة تحييد لبنان عن الصراعات الاقليمية والدولية، فلا يعود يهم عندئذ أي مذهب أو طائفة تحكم لبنان عندما يصبح محصناً فلا يعود ثمة خوف على وجوده وكيانه وهويته من أي طامع وطامح؟
ويذكر أن الوزير والنائب السابق الدكتور جميل كبي كان قد اقترح في لقاءات الطائف مشروع قانون يتم بموجبه إلغاء الطائفية السياسية بشكل تدريجي وحكمي وذلك باعتماد نظام المراحل الزمنية التي بانقضاء كل مرحلة منها يُصار الى إلغاء تطبيق قاعدة التوزيع الطائفي في مستوى معين من المؤسسات الادارية والسياسية، وهذا الاسلوب التدريجي يؤدي الى الإلغاء التام والشامل للنظام السياسي الطائفي ويفسح في المجال للتحضير النفسي والتقني لكل مرحلة من مراحله وذلك كالآتي:
-1 أربع سنوات بالنسبة الى الوظائف.
-2 ثماني سنوات بالنسبة الى تشكيل الحكومة ويستثنى من ذلك رئيس مجلس الوزراء ونائب الرئيس.
-3 اثنتا عشرة سنة بالنسبة لانتخاب مجلس النواب ويستثنى من ذلك رئيس مجلس النواب ونائب الرئيس.
-4 خمس عشرة سنة بالنسبة الى قاعدة تكريس طائفية الرئاسات الثلاث ونيابة رئاسة مجلس النواب ومجلس الوزراء.
-5 لمجلس النواب في أي وقت يشاء وبغالبية ثلاثة أرباع مجموع عدد الاعضاء الذين يؤلفونه دستورياً تقرير تقريب أو تأخير موعد سريان إلغاء اعتماد قاعدة التوزيع الطائفي وبالنسبة الى أي من المستويات.
لذلك ينبغي مباشرة إلغاء الطائفية من تحت وليس من فوق أي بالاتفاق أولاً على الاجراءات الملائمة والطرق الكفيلة بتحقيق ذلك، وعندها يصبح تأليف الهيئة الوطنية مسألة شكلية، ولا تثير الخلاف، لأن ما قد يثير الخلاف في تأليفها هو اختيار أعضاء ليس من مذاهب معينة فحسب بل من اتجاهات سياسية يكون لها نظرة الى هذه الاقتراحات تختلف عن نظرة غيرها، فتأتي الاقتراحات ترضي فئة ولا ترضي فئة أخرى أو يؤدي استمرار الخلاف الى بقاء الطائفية، عدا أن عهداً يخلف عهداً آخر قد يعيد النظر في تشكيل هذه الهيئة وذلك في ضوء الظروف الموضوعية والمعطيات السياسية الداخلية والخارجية الجديدة.
وترى أوساط بكركي ايضاً انه اذا كان الزعماء المسيحيون لهم موقف واحد من موضوع إلغاء الطائفية السياسية ومن موضوع خفض سن الاقتراع، فالأهم أن يكون لهم موقف واحد من الاجراءات الواجب اتخاذها لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية ومن الاقتراحات الكفيلة بإلغائها، لأن انقسامهم حول ذلك يؤدي الى اجراءات قد تفرضها فئة موحدة الرأي والموقف على فئة أخرى موزعة الرأي ومتعددة الموقف، وأن يكون توافق في ما بينهم على ربط خفض سن الاقتراع بالموافقة على صيغة جديدة لقانون الانتخابات النيابية تؤمن التمثيل السياسي الصحيح لشتى فئات الشعب وأجياله ويؤمّن حق الاقتراع للبنانيين المقيمين في الخارج وبعد تأمين استعادة الجنسية لكل مغترب له حق استعادتها.
إن أهمية وحدة موقف الزعماء المسيحيين هي حول هذه الامور والاجراءات التي تسبق إلغاء الطائفية، وخفض سن الاقتراع، وإلا يتكرّر ما حصل وهم منقسمون ومتفرقون، فكانت أزمة الانتخابات الرئاسية والفراغ في أعلى منصب ماروني في الدولة، وكان تدخل الخارج الذي أدى الى عقد مؤتمر الدوحة لحل هذه الأزمة. فلو أن الزعماء المسيحيين كانوا على اتفاق لحالوا دون حصول هذه الأزمة ومواجهة هذا الفراغ الذي يقود البلاد نحو المجهول، ولولا انقسامهم لما تعطل العمل بالدستور وبالنظام الجمهوري البرلماني الديموقراطي، ولما فرضت حكومة "وحدة وطنية" بالاسم شلّت الخلافات بين أعضائها المتنافرين عمل الدولة والمؤسسات، ولولا انقسامهم لما استطاعت فئة أن تفرض رأيها ومواقفها السياسية على فئة أخرى.
فهل يتعظ الزعماء المسيحيون من أخطاء الماضي ومن عواقب انقساماتهم وتشرذمهم، فيعملوا موحدين ومتحدين من أجل التوصل الى تصوّر مشترك لصيغة لبنان المستقبل، لأنهم كانوا هم من بناته، ولا يجوز أن يذهب ضحية انقساماتهم وخلافاتهم.