#adsense

الغشاوات الأيديولوجيّة تمنع الرؤية وتحجب التناقض الأساسي

حجم الخط

كل ما يُراد به باطل هو باطل وليس هناك مطلب "لا طائفي" أو "علماني" في ذاته
الغشاوات الأيديولوجيّة تمنع الرؤية وتحجب التناقض الأساسي

ما تزال الغشاوات الأيديولوجيّة تمنع البعض من المساهمة في إنتاج ثقافة سياسيّة أفضل في المجتمع اللبنانيّ، ثقافة تقارع بها أيديولوجيا "الانصهار الوطنيّ" المزعزعة لأساسات الوحدة الوطنيّة الإسلاميّة المسيحيّة، هذه الوحدة القائمة على معادلة "مناصفة دائمة ووطن نهائيّ".
تتلاقى هذه الغشاوات الأيديولوجيّة على تجاهل الحقيقة الواضحة الساطعة: وهي أنّ أيديولوجيا "الانصهار الوطنيّ" التي تنتسب إليها بشكل أو بآخر، ليست حالياً إلا تابعة لـ"أيديولوجيا أصوليّة" تتهدّد لبنان بمشروع هيمنيّ تغلّبيّ.

بعض هذه الغشاوات الأيديولوجيّة يتحدّر من خرافة شعبوية، هي خرافة "المقاومة العالميّة المتواصلة ضدّ الإمبرياليّة والعولمة والإنسان الأبيض". العصر، عند أهل هذا النوع من الغشاوات هو عصر التحالف الكرنفاليّ، "ما بعد الحديث"، بين "العقل الأصوليّ" و"العقل الخلاسيّ". لا طاقة لدى كل من هذين "العقلين" على تحمّل دولة طائفية صغيرة تقوم على وحدة كيانيّة ميثاقيّة بين المسلمين كمسلمين والمسيحيين كمسيحيين.

لأجل ذلك، فهي تنادي بشكل أو بآخر بفرط هذه الوحدة، تمهيداً لإحلال وحدة أخرى، هي وحدة "الطوائف المقاومة للإمبريالية والعولمة والإنسان الأبيض" مع "الأفراد المقاومين للإمبريالية والعولمة والإنسان الأبيض".

أمّا أهل النوع الآخر من الغشاوات فـ"نخبويّون" يستعينون بمسمّى "العلمانيّة" وقد وجدوا فيها ضالّتهم، ويتقوّون بيافطتي "المجتمع المدنيّ" و"حقوق الإنسان".
يدفن المصابون بهذا الصنف من الغشاوة الأيديولوجيّة رأسهم في الرّمل. يحسبون أنّهم بذلك يبرأون من "سموم الطائفيّة". بيد أن الطائفيّة تعود فتؤرقهم صباحاً ومساء. فيلعنونها صائحين: "تبّاً لك أيها الواقع الطائفي!". فيما حقيقة شعارهم هي: "تبّاً لكّ أيّها الواقع!".

هذا الرهط من الناس يعجز عن تعيين ما هي الطائفيّة في الحقيقة. تصير عنده كل الواقع أو لا واقع. لا نعود نعرف إن كان "الطائفيّ" هو من يعمل على تحقيق التوازن بين الطوائف، وإقامة ميزان عدل في ما بينها، أو من يعمل على تغلّب طائفة على طائفة. ولا نعود نعرف إن كان "الطائفيّ" هو من يعمل على تثبيت الوحدة الوطنيّة الإسلاميّة المسيحية أم من يعمل على الإطاحة بهذه الوحدة، تحت شعار إعادة تركيب الوحدة الوطنيّة كوحدة انصهاريّة شاملة تعطي الأولويّة للأفراد على الجماعات.

لأجل ذلك، وما أن تنبري قوّة طائفيّة لطرح موضوع "إلغاء الطائفية السياسيّة" أو لتحريك "تخفيض سنّ الاقتراع" في حماسة تكشف بوضوح الدافع الطائفيّ المذهبيّ لذلك، بل من دون المكابرة على هذا الدافع أصلاً، حتى نجد في المقابل أهل الغشاوة الأيديولوجيّة "النخبوية" بين هرج ومرج.

فالحفنة "العلمانويّة" تعلم جيّداً أنّنا أمام "مطالب محقّة" يُراد بها "باطل". لكنّها تتذاكى تحت شعار أنّه ينبغي الاستفادة من اللحظات "العلمانيّة" و"اللاطائفيّة" الاضطراريّة، عندما يندفع إليها طائفيون ضد طائفيين آخرين. فإن أرادت قوّة طائفيّة الاستعانة بمطالب "علمانيّة" و"لا طائفيّة" ينبغي ألا يتردّد "العلمانيّون" في الدفاع عن "الجوهر المبدئيّ" لهذه المطالب، وحصر الشكوى في "أسلوب الطرح" أو في "توقيت الطرح"، أي الدعوة إلى تجميل الأسلوب، وجعله، قدر الإمكان، يتستّر على دافعه الطائفيّ.

أقلّ ما يُقال في هذا التذاكي أنّه متّصف بالغباء الشديد. وأقل ما يُقال في هذه المبدئية أنّها الانتهازية عارية. وأقل ما يُقال في مواكبة "اللاطائفيين العلمانيين" لـ"اللاطائفيين الطائفيين" أنّها مواكبة طائفيّة.. أي أنها مواكبة تعلم، وبشكل واعٍ في مكان ما، أنّها "متواطئة" مع كلّ من يريد الإطاحة بالوحدة الوطنية على أساس المناصفة الإسلاميّة المسيحية لإقامة وحدة وطنيّة على أساس التغلّب المذهبيّ الفئويّ، أي على أساس مثالثة "السلاح" و"الديموغرافيا التعبوية" و"الأيديولوجيا الدينية".

يحسب هؤلاء أنّ "المطالب العلمانية"، من نوع "إلغاء الطائفية" و"تخفيض سنّ الاقتراع" هي حقائق متعالية، قائمة في ذاتها، لا يتبدّل معناها بصرف النظر عن هوية من يحمّلها، والسياق الذي تُطرح فيه. إنّهم بذلك يتعاطون مع "المطالب العلمانيّة" كأوثان، ويلتحقون ذيليّاً، من موقع وثنيتهم هذه، في التعبية لمشروع هيمنيّ فئويّ تغلّبي تحرّك قوّته الضاربة أيديولوجيا شموليّة متلبّسة بالدين.

في مقابل هذه الغشاوة الأيديولوجيّة المضحكة المبكية، فقد آن للموقف العلمانيّ الصحيح بأن يترجم نفسه. إنّه موقف الدفاع عن "المستوى السياسيّ".
في "المستوى السياسيّ" يكون الموقف من كل قضية تُطرح رهن بهويّة حاملها، ورهن بالمسار العام للتناقضات، ورهن بالتناقض الأساسيّ. ليس ثمّة مطلب "حق" يُراد به "باطل". كل ما يُراد به باطل هو باطل.

إذا كان في لبنان مشروع هيمنيّ فئويّ تغلّبي خطير، تحرّك قوّته الضاربة أيديولوجيا شموليّة، فإن معيار العلمانية هو التعاطي مع المستوى السياسي بعلمانية، والاندفاع بكل صلابة، وبكل حماسة، من داخل هذا المستوى السياسيّ، لبلورة وإسناد كل حجّة من شأنها تأمين تهافت طروحات الخصم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل