انتهت الازمة المالية العالمية، لكن آثارها ستبقى الى امد متوسط، في حين ان دروسها وعبرها ستستمر الى مدى ابعد. هذه هي الخلاصة الاولى مع بدء اعمال "المنتدى الاقتصادي العالمي" في دافوس الذي يحتفل هذه السنة بمرور اربعين عاماً على تأسيسه، وقد تحوّل من منتدى صغير ومحدود لعدد من رجال الاعمال والاكاديميين في مطلع السبعينات من القرن الماضي، الى ملتقى عالمي يضاهي في اهميته اجتماعات الجمعية العمومية للامم المتحدة السنوية في ايلول، او اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي المشتركة في الشهر عينه من كل سنة.
لقد صار الاجتماع السنوي للمنتدى في منتجع دافوس السويري موعداً ثابتاً في مفكرة اكثر من 2500 شخصية عالمية من رؤساء دول وحكومات ووزراء في مختلف الميادين، فضلاً عن رؤساء اكبر الشركات العالمية المتعددة الجنسية، وصحافيين، وكتّاب وفنانين. كما صار على مرّ السنين محفلاً عالمياً لاي شركة او دولة تبحث عن اطلالة نادرة لنخبة من اصحاب القرار الاقتصادي والسياسي والاعلامي. من هنا يجري تنظيم العديد من اللقاءات والمناسبات الاحتفالية تحت عناوين عدة. فعلى سبيل المثال، قامت حكومة جنوب افريقيا بتنظيم احتفال ولقاء كبير بين رئيس البلاد جاكوب زوما وما يسمى قادة الاعلام الحاضرين هنا للترويج لدورة كأس العالم 2010 التي ستقام فيها مطلع الصيف المقبل. وكان حديث عما يهم العالم الخارجي وتحديداً الوضع الامني.
من جهتها، تتولى كوريا الجنوبية تنظيم لقاءات بين مسؤوليها وفي مقدمهم رئيس الحكومة تحضيراً لاجتماعات دول مجموعة العشرين التي ستعقد هذا الربيع في سيول.
وبالعودة الى اوروبا، اختار الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي يعاني تدنياً كبيراً في شعبيته منتدى دافوس من اجل اعادة تلميع صورته كشخصية عالمية. وقد تحدث في جلسة الافتتاح البارحة مشدداً على ان الازمة المالية العالمية ليست شأناً تقنياً بحتاً، مذكراً بأن الحكومات هي التي انقذت الاقتصادات والمؤسسات المالية العالمية والوطنية، ومن هنا كان لا بد من ان يحصل تغيير جذري على مستوى ادارة الشؤون المالية على قاعدة ان تجزئة المسؤوليات الى ما لا نهاية يضيّع هذه المسؤوليات ويمنع تالياً المحاسبة التي بدورها تفرغ الديموقراطية من مضمونها كنظام يحمي حقوق المواطنين.
هذه السنة يغيب الحضور العربي عموماً. وحده الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى ورئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض وعدد من رجال الاعمال العرب، وثلاثة اعلاميين لبنانيين يحضرون ويشاركون في الندوات واجتماعات "عصف الافكار" وحلقات النقاش. اما العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني بن الحسين ورئيس حكومته سمير الرفاعي، فمن المقرر ان يلقي الاول كلمة غداً الجمعة امام جميع المشاركين، اما الثاني فيشارك في ندوة عن الاقتصاد الاردني. وبطبيعة الحال يغيب لبنان الرسمي والاقتصادي. وفي هذا المجال يتذكر احد المشاركين اللبنانيين القدامى انه في مطلع التسعينات كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري يتهيأ للمشاركة في المنتدى، وقد نظمت للغاية سهرة لبنانية ومجموعة من الندوات للترويج للاقتصاد اللبناني في مرحلة اعادة الاعمار. يومذاك تولت السيدة ميرنا البستاني الشأن التنظيمي. وفي اليوم الاخير لم يحضر الحريري بفعل ضغوط الوصاية السورية السابقة التي اعتبرت ان المشاركة هي نوع من انواع التطبيق مع اسرائيل على قاعدة ان مسؤوليها يحضرون المنتدى، وكأن الامم المتحدة وبقية المحافل لا يحضرها الاسرائيليون!
وهكذا كان، ففي السنوات التي تلت غاب لبنان عن احد اهم المحافل العالمية، في حين ان رجال الاعمال كانوا يؤثرون الابتعاد عن "الشر". وبقيت "النهار" مع جبران تويني تتحدى المنع والتضييق لسنوات طويلة ايماناً منها بأن للحضور قوة اكبر من الغياب.
واليوم نطرح السؤال برسم الرئيس سعد الحريري: هل سيحضر لبنان في دافوس السنة المقبلة؟