نتحدَّث بلهفة وحسرة وأمل. نهجس.
نكتب في هذه المرحلة التي نودُّها انتقالية ومؤدّية الى برّ الأمان ومنقلب الأزدهار والاستقرار.
نكتب عن لبنان كان. نكتب لهؤلاء الناس الذين يحفرون الأرض ليلغموها لا ليزرعوها. وللذين ما فتئوا يفتشٍّون عما يفرٍّق لاعما يجمع. وللذين لا يضيرهم أن تتفجر صيغة الموزاييك والألوان المتضاربة وغير المتجانسة. وللذين لم يسلٍّموا بهذه الرقعة الفريدة من الأرض والجغرافيا والجنة، وبهذا الوطن الذي لم يسمحوا له أن يتكوَّن.
نكتب عن لبنان اليوم، لبنان الفساد والمحسوبيَّة والرشوة والاستبداد والمحاباة والاستزلام، لبنان الطائفيَّة والمذهبيَّة والمناطقيَّة والتعصُّب والاستعلاء على المؤسسات والقوانين، مقارنة بذلك اللبنان الذي كان أغنية ولحناً ومثالاً وقدوة. وكما نحلم به أن يعود. وكما يتمنَّاه اشقاء وأصدقاء عايشوا ذلك الذي أذهل العالم.
ذلك الوطن الأقرب الى الأسطورة والخرافة، وذوى تحت وطأة حروب كان أهله قادتها وادواتها وضحاياها في آن واحد.
نكتب ونهجس ونتحدَّث عن دولة تحلم بها أجيال أحبطتها الفوضى، وهجّرها التسيّب والاستهتار. وكما كانت يوماً. وكما لم تعد منذ ما يقارب نصف قرن. وكما يشتهي الطاعنون والأغرار وما بينهم من أجيال أن تكون يوماً.
وان تكون دولة المؤسسات، والقانون، والعدالة، والحق، والمساواة، والانصهار الراقي بين مختلف المعتقدات والانتماءات.
تماماً كما كانت في زمان العز والوصل والازدهار. وكما كانت السلطات الثلاث، والسلطة الرابعة. وكما كان النظام وكانت الديموقراطية، وكانت اللعبة البرلمانيَّة، وكانت الحريات.
وكما لا نستطيع أستعادتها في المدى المنظور. أو في المدى البعيد. وربما أبداً.
وخصوصاً بعد التضخمُّ الطائفي المذهبي الذي أجهز على القيم والتقاليد والأعراف التي ميّزت الحياة السياسيَّة، وسيّجت المناخ الثقافي والابداعي في مختلف الحقول، وعلى امتداد عقود جذبت ثلاثة أرباع الكرة الأرضية في اتجاه بيروت، وشوارعها، وزواريبها، وساحاتها التي كانت لا تعرف النوم، ولا يزورها التعب، ولا تستسلم للضجر.
نتحدَّث عن ادارة أرسى عهد الرئيس فؤاد شهاب قواعدها فوق أسس دقيقة وصارمة. وأنشأ لصون العدالة والنظام والقوانين مؤسسات ومجالس ومرجعيَّات، ذهبت مثلاً في ضبط النظام والمساءلة والمحاسبة وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب.
وعلى عتبة ورشة تعيينات تراوح مكانها، وتتنقل بين رغبات هذه الفئة النافذة وتلك المرجعية المتطلبة، لا نجد أفضل من التذكير بما كانت عليه هذه الادارة وكيف كان الاكفياء وحدهم يحتلون المناصب والمراتب، بجدارة واستحقاق. لا بواسطة من هذه المرجعيَّة، ولا بضغط من تلك الطائفة.
نتحدَّث ونهجس ونكتب، لا رغبة في البكاء على الاطلال وعلى لبنان مرَّ مرور الفصول والاحلام، بل لدعوة كبار المسؤولين، والرؤساء الثلاثة بصورة خاصة، الى أن يتخذوا قراراً تاريخيّاً كالذي اتخذه اللواء الأمير الرئيس، وحقق تلك المعجزة.
فليتمسَّكوا بما يحقٍّق نهوض لبنان، وشفاء سلطاته ومؤسساته وادارته من أْوبئة المحسوبيَّة والفساد والأزلام.
ولتكن الكفاية والمؤهلات والجدارة هي "الواسطة" الوحيدة، عندها تبدأ ورشة الاصلاح فعلاً، وتبدأ مسيرة عودة الوطن الرسالة، وتراجع المد الطائفي والاعصار المذهبي… وأفول نجم الدويلات.