#adsense

سلام المنطقة يكون أميركياً أو لن يكون

حجم الخط

سلام المنطقة يكون أميركياً أو لن يكون
أوباما يفشل إذا اكتفى بالتوسط في النزاع

"السلام الفلسطيني – العربي – الاسرائيلي يكون اميركياً او لن يكون. فهذا السلام لن يتحقق بقرار فلسطيني او عربي او اوروبي او اسرائيلي، بل يتحقق بقرار استراتيجي كبير تتخذه ادارة الرئيس باراك اوباما ويجعلها شريكا اساسيا مباشرا في عملية التفاوض يتدخل في كل مراحلها ويدفع الفلسطينيين والعرب والاسرائيليين بقوة الى ابداء المرونة ومعالجة العقد والقضايا الجوهرية العالقة بمساعدة اميركية حقيقية ودعم عربي ودولي واسع وصولا الى تحقيق الانجاز السلمي التاريخي الذي يقلب موازين القوى والمعادلات في الشرق الاوسط. واذا ما اكتفت ادارة اوباما بدور الوسيط الذي يقوم به حاليا مبعوثها الخاص الى المنطقة جورج ميتشل ورفضت اتخاذ قرار التدخل الكبير المطلوب منها، فان المنطقة ستواجه مرحلة طويلة من السلام المجمد تتخللها نزاعات مسلحة وازمات داخلية واقليمية متنوعة".

هذا هو الاقتناع الاساسي الذي توصل اليه ديبلوماسيون اوروبيون معنيون مباشرة بملف النزاع العربي – الاسرائيلي ومطلعون على مضمون الجهود الاميركية والفرنسية والدولية والعربية المبذولة حاليا لتأمين انطلاق عملية تفاوض فلسطينية – اسرائيلية جديدة. واوضح هؤلاء الديبلوماسيون ان اقتناعهم هذا يستند الى العوامل والمعطيات والحقائق الاساسية الآتية:

☐ اولاً – الفلسطينيون عاجزون وحدهم عن استعادة اراضيهم المحتلة او تأمين حقوقهم المغتصبة المعترف بها دوليا واقامة دولتهم المستقلة القابلة للحياة والاستمرار سواء استخدموا الوسائل العسكرية او الوسائل الديبلوماسية والسلمية. فالفلسطينيون يستطيعون مهاجمة اسرائيل وضربها والحاق الاضرار والاذى بها، لكن الثمن الذي دفعوه وسيدفعونه في حال اعتمادهم الخيار العسكري باهظ جدا بشرياً وماديا وسياسيا ولن يحقق اهدافهم، كما ان هذا الخيار يدفع الاسرائيليين الى مزيد من التشدد والى توسيع نطاق الاستيطان والى رفض الاستجابة للمطالب الفلسطينية المشروعة. والفلسطينيون عاجزون وحدهم، ولو كانوا موحدين، عن اقناع الحكومة الاسرائيلية، ايا تكن، عبر الحوار والتفاوض معها، بتأمين حقوقهم ومطالبهم الاساسية المشروعة في مقابل انهاء النزاع سلميا بين الطرفين، بل انهم يحتاجون الى مساندة الدول المؤثرة القادرة على الضغط على اسرائيل لدفعها الى الاستجابة لمطالبهم.

☐ ثانياً – لم يحصل توافق فلسطيني – اسرائيلي مباشرة على صيغة جزئية موقتة ومرحلية للتحرك نحو حل النزاع سلميا سوى مرة واحدة لدى توقيع اتفاق اوسلو عام 1993 ، وهو الاتفاق الذي ادى الى قيام السلطة الوطنية الفلسطينية في ظل الاحتلال. لكن الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي، في المقابل، ليسا مستعدين، سواء على صعيد القيادة او على الصعيد الشعبي، لتقديم تنازلات جوهرية متبادلة تؤدي الى انهاء النزاع سلميا بينهما وتوقيع اتفاق يشمل تسوية مختلف القضايا الكبرى الحيوية العالقة بطريقة مقبولة لديهما، سواء ما يتعلق منها بالدولة الفلسطينية وحدودها وطبيعتها، او بمصير اللاجئين والقدس والمستوطنات، او بالترتيبات الامنية والمياه والمسائل المهمة الاخرى. وليس ممكنا، واقعيا، انهاء النزاع من دون تنازلات جوهرية متبادلة. فالفلسطينيون يرون ان تمسكهم باقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة بديلة من فلسطين الاصلية التاريخية ليس تشددا او تصلبا بل هو الحد الادنى المقبول لديهم بعدما قدموا تنازلات كثيرة وابدوا استعدادا لتقبل وجود اسرائيل على ارض فلسطين والتعايش معها سلميا. واسرائيل، في المقابل، تريد السلام الذي تصنعه هي وفقا لحساباتها والذي يطمئنها ويؤمن لها مطالبها ومصالحها الامنية والحيوية والاستراتيجية ويجعلها تخرج منتصرة من معركتها مع الشعب الفلسطيني ولذلك ترفض اسرائيل السلام الذي حددت مضمونه قرارات الشرعية الدولية ومرجعياتها. ولن يبدل هذه المعادلة الفلسطينية – الاسرائيلية الصعبة سوى تدخل دولي مؤثر وفاعل.

☐ ثالثاً – الطرفان الفلسطيني والاسرائيلي ليسا مستعدين فعلا للتتوصل الى اتفاق جزئي موقت ومرحلي جديد يؤدي الى هدنة امنية رسمية طويلة الامد بينهما ويسمح بتحسين الاوضاع والظروف الحياتية والمعيشية والامنية في المناطق الفلسطينية ويتيح بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية المقبلة بمساعدة دولية وعربية ويمهد لايجاد الظروف الملائمة لتحقيق السلام وانهاء النزاع في مرحلة لاحقة. فالسلطة الفلسطينية ترفض الحل الموقت لانها تخشى ان يتحول حلا دائما وان يعتاده المجتمع الدولي ويتكيف معه فينهار مشروع اقامة دولة فلسطينية مستقلة ضمن حدود 1967. وحركة "حماس" ليست مهتمة باي حل وهي فشلت في ان تكون البديل من السلطة الفلسطينية وفي تأمين اي مكاسب للشعب الفلسطيني، بل ان استراتيجيتها الانقلابية والانفصالية احدثت شرخا عميقا ليس له سابق في الحركة الوطنية الفلسطينية واضعفت الفلسطينيين وجلبت الدمار والخراب الى قطاع غزة الذي تصر على احكام سيطرتها عليه لانها تعطي الاولوية لحساباتها ومصالحها الذاتية ولمتطلبات تحالفها مع سوريا وايران وليس للعمل على تأمين مصالح الفلسطينيين الحيوية. وفي المقابل، تريد اسرائيل ابقاء الفلسطينيين خاضعين لسيطرتها المباشرة او غير المباشرة لفترة زمنية طويلة من اجل تقليص مطالبهم الى الحد الذي تصير فيه مقبولة لديها.

الأولوية للمصالح الوطنية

☐ رابعاً – الوضع العربي. العرب عربان، عرب الاعتدال وهم يشكلون الغالبية العظمى، وعرب "الممانعة" وهم الاقلية. لكن الدول العربية عموما متفقة على اربعة امور جوهرية في تعاملها مع القضية الفلسطينية هي الآتية:

– اولاً: ليست لدى اي دولة عربية رغبة حقيقية في تكرار تجربة حرب 1973 واستخدام القوة العسكرية لارغام اسرائيل على الانسحاب من كل الاراضي العربية المحتلة واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. فسوريا "الممانعة" ترفض منذ عام 1974 استخدم القوة العسكرية لاستعادة الجولان المحتل، وهي في الوقت عينه تشجع، مع ايران، "حزب الله" و"حماس" وتنظيمات فلسطينية اخرى على محاربة اسرائيل. لكن هاتين الدولتين ترفضان التورط مباشرة في اي مواجهة مع الدولة العبرية وتستخدمان حلفاءهما اللبنانيين والفلسطينيين اوراق ضغط ومساومة في مفاوضاتهما مع الدول الكبرى.

– ثانيا: إن المصالح الوطنية لكل دولة عربية هي الاساس ولها الاولوية القصوى في التعامل مع القضية الفلسطينية، اذ ليست ثمة دولة عربية واحدة، بما فيها سوريا، مستعدة فعلا للتضحية بمصالحها الحيوية من اجل تعزيز مواقع الفلسطينيين التفاوضية او من اجل تقديم دعم لهم بطريقة تهدد المصالح الوطنية لهذه الدولة او تلك. وهذا ينطبق ايضا على ايران.

– ثالثاً: ليست لدى الدول العربية القدرة على "شراء السلام الاسرائيلي" اي اقناع اسرائيل بضرورة تأمين المطالب والحقوق الفلسطينية المشروعة المعترف بها دوليا. فقد ابدت الدول العربية مرونة قصوى بطرحها مبادرة السلام العربية التي تبنتها قمة بيروت عام 2002 ولم تحصل اي استجابة اسرائيلية او دولية حقيقية لهذه المبادرة، على رغم انها عرضت المصالحة التاريخية و"التطبيع" الواسع بين العرب والاسرائيليين في مقابل الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي العربية المحتلة خلال حرب حزيران 1967 واقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس وايجاد حل عادل ومقبول لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين وفقا لقرارات الامم المتحدة. والدول العربية ليست راغبة في تقديم تنازلات اخرى لاسرائيل ادراكا منها ان ذلك لن يؤدي الى تحريك عملية السلام وتغيير الموقف الاسرائيلي المتصلب، خصوصا ان اسرائيل ليست مسؤولية عربية بل مسؤولية دولية وعلى الدول الكبرى التعامل معها لدفعها الى تقبل شروط السلام العادل ومتطلباته.

– رابعاً: ترفض الدول العربية الضغط على الفلسطينيين لدفعهم الى تقديم تنازلات جوهرية للاسرائيليين، لانها على اقتناع بان الفلسطينيين يطالبون بالحد الادنى من حقوقهم المغتصبة المشروعة كما انها على اقتناع بان اطماع اسرائيل ليست لها حدود وان ما تريده هو الحاق الهزيمة ليس بالشعب الفلسطيني وحده بل ايضا بالشعوب العربية لتعزيز موقعها في المنطقة، وهو ما يدفعها الى التمسك بمطالبها القصوى ورفض الاستجابة لاي عروض او اقتراحات لتحقيق السلام العادل والشامل تستند الى قرارات الشرعية الدولية ومرجعياتها.

فرض السلام

– خامساً: الوضع الدولي. الواقع الاساسي انه ليس ثمة مجتمع دولي ضاغط فعلا على اسرائيل بل ان اميركا هي الدولة الوحيدة التي تستطيع، اذا ما ارادت، الضغط جديا على اسرائيل من اجل دفعها الى تغيير سياساتها وتوجهاتها بما يؤدي الى حل النزاع سلميا مع الفلسطينيين والعرب عموما. وادارة اوباما تملك "افضل النيات السلمية" وتحركها، منذ اليوم الاول، رغبة حقيقية في حل النزاع الفلسطيني – الاسرائيلي واقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة والاستمرار وتتعايش سلميا مع الدولة العبرية. وقد اكد الرئيس اوباما وكبار المسؤولين الاميركيين مرارا ان السلام بين العرب واسرائيل "مصلحة وطنية حيوية اميركية" وانهم ملتزمون العمل على تحقيقه. لكن ادارة اوباما ترفض "ان تنقذ الفلسطينيين والعرب والاسرائيليين من مأزقهم السلمي ضد ارادتهم" وترفض تاليا ان تكون اكثر حرصا على تحقيق السلام من الفلسطينيين والعرب والاسرائيليين انفسهم، وهي ليست راغبة في ان تتخذ القرارات الجريئة الكبرى الضرورية لتحقيق السلام نيابة عنهم، بل ترى ان التنازلات المطلوبة يجب ان يقدمها الاطراف المعنيون مباشرة بالنزاع وليس اي طرف ثالث آخر. ومن هذا المنطلق ترفض ادارة اوباما، حتى الآن، المجازفة والذهاب الى حد الانخراط المباشر الحقيقي في عملية التفاوض الفلسطينية – الاسرائيلية لان ذلك يؤدي الى الدخول في مواجهة مع اسرائيل المتصلبة لدفعها الى تلبية مطالب المجتمع الدولي الداعية الى حل النزاع على اساس اقامة دولتين تتعايشان سلميا وتسوية القضايا الكبرى العالقة بما يؤمن المصالح الحيوية الاساسية للطرفين.

ويظهر تاريخ النزاع العربي – الاسرائيلي ان اميركا نجحت في تعاملها مع هذا النزاع حين ضغطت على اسرائيل وفشلت حين امتنعت عن ذلك، وتمكنت اميركا من تحقيق انجازات سلمية بين العرب والاسرائيليين حين قامت بدور مباشر ومؤثر في المفاوضات ومارست ضغوطا حقيقية على الاطراف المعنيين وخصوصا على الاسرائيليين.

فهذا ما فعله وزير الخارجية الاميركي السابق هنري كيسينجر بعد حرب 1973 وهو ما ادى الى توقيع "اتفاقين سلميين" بين مصر واسرائيل واتفاق فك الاشتباك بين سوريا واسرائيل. وهذا ما فعله الرئيس السابق جيمي كارتر حين مارس ضغوطا قوية على انور السادات ومناحيم بيغن لدفعهما في ايلول 1978 الى توقيع اتفاق سلام اعد نصه مع مستشاريه. وهذا ما فعله جيمس بايكر وزير الخارجية السابق حين نجح في تأمين انعقاد مؤتمر مدريد للسلام خريف 1991 بعدما مارس ضغوطا جدية كبيرة على اسرائيل والعرب المعنيين بالامر. اما الرئيس السابق بيل كلينتون فقد بذل جهودا كبيرة لمحاولة تحقيق السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين وبين السوريين والاسرائيليين، لكنه فشل لانه اكتفى بدور الوسيط ولم يمارس الضغوط اللازمة لانجاز السلام.

ويتفق ديبلوماسيون اوروبيون وعرب معنيون بهذه القضية على القول ان انجاز السلام الفلسطيني – الاسرائيلي تمهيدا لحل النزاع العربي – الاسرائيلي يتطلب من الادارة الاميركية ان تتخذ الخطوات والاجراءات الاساسية الآتية:

☐ اولاً – يجب ان تتبنى ادارة اوباما مشروع السلام الفلسطيني – الاسرائيلي تماما كما تبنت ادارة كارتر مشروع السلام المصري – الاسرائيلي ونجحت في انجازه. وعلى هذا الاساس من الضروري ان تطرح ادارة اوباما خطة سلام تحدد "نهاية الطريق" او "نهاية اللعبة" وتتضمن التزاما رسميا واضحا للعمل على اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، كما تتضمن تصورها لطريقة تحقيق ذلك خلال مهلة زمنية محددة واعطاء الاولوية للتفاوض على حدود الدولة الفلسطينية على اساس خط 4 حزيران 1967 مع تبادل للاراضي مقبول لدى الطرفين، وذلك تمهيدا لمعالجة بقية القضايا العالقة.

☐ ثانياً – يجب عدم الاكتفاء بطرح هذه الخطة والقيام بدور الوسيط كما فعل كلينتون، بل يجب ان تتدخل ادارة اوباما مباشرة وبقوة في المفاوضات لتذليل العقبات، وان تمارس ضغوطا فاعلة على الاسرائيليين خصوصا وعلى الآخرين اذا ما اقتضى الامر من اجل انجاز الصفقة السلمية المنشودة.

☐ ثالثاً – يجب ان تحشد ادارة اوباما دعما دوليا وعربيا حقيقيا لجهودها هذه وهو ما يمكن تأمينه اذا ما ابدت تصميما واضحا على حل النزاع. وبعد ذلك ينبغي ان تؤمن ادارة اوباما مجموعة من الضمانات والترتيبات اللازمة، كنشر قوات دولية بين الدولة الفلسطينية واسرائيل وانشاء صندوق عالمي لتقديم تعويضات مالية الى اللاجئين، من اجل تحويل اتفاق السلام واقعا ملموسا.

وكما قال لنا ديبلوماسي اوروبي مطلع: "لن يتحقق السلام الفلسطيني – الاسرائيلي اذا لم تجازف ادارة اوباما وتتولَّ، مع دول اخرى، فرض السلام فرضا على الطرفين المعنيين. فإما ان يكون السلام ناتجا من قرار اميركي استراتيجي كبير، وإما لن تشهد المنطقة السلام بل تظل تنتقل من عملية سلام الى اخرى. واذا ما ارادت ادارة اوباما الاكتفاء بدور الوسيط فهذا يعني انها ليست راغبة في العمل جديا على تحقيق السلام".

المصدر:
النهار

خبر عاجل