في الوقت الذي تنصرف فيه الدولة بكل اجهزتها لتتبع مجريات عمليات البحث عن ضحايا الطائرة الاثيوبية المنكوبة، لا زالت طروحات رئيس المجلس النيابي نبيه بري المتعلقة بتشكيل الهيئة الوطنية العليا لإلغاء الطائفية السياسية وتوقيتها واهدافها مدار بحث ونقاش وتساؤل في الاوساط السياسية.
وفي هذا الاطار تساءلت مصادر نيابية مسيحية وفي 14 اذار عن سبب تشبث الرئيس بري في مطالبه واستعجاله اليوم، خصوصا وانه يرأس المجلس النيابي منذ العام 1992 اي منذ ما يزيد عن السبعة عشر عاماً فلماذا يتذكر موضوع تشكيل هذه الهيئة اليوم بالذات، مذكّرة بأن هذا الموضوع كان يستعمل كورقة ضغط على المسيحيين، وبشكل خاص تجاه الاطراف التي كانت تطالب بإعادة انتشار او انسحاب الجيش السوري من لبنان.
وتشير الى ان الرئيس بري وغيره من الذين استعملوا هذه الورقة للترهيب افقدوها طابعها الاصلاحي لأنه في اتفاق الطائف موضوع تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية كان جزءا من الاصلاحات المطروحة، الا ان الممارسات التي حصلت بعد الطائف هي التي افقدت هذا المطلب طابعه الاصلاحي، بحيث بات من الواجب اليوم إزالة صفة المذهبية عنه.
واذ اعتبرت المصادر النيابية نفسها ان اداء الرئيس بري اتى بمثابة تعد على الصلاحيات الدستورية لرئىس الجمهورية خصوصا عندما اعتبر انه بطرحه تشكيل الهيئة يحافظ على الدستور، اكدت ان المحافظة على الدستور هي من صلاحيات رئىس الجمهورية فقط واتفاق الطائف واضح جدا في هذا الإطار والمادة 49 من الدستور تقول ان «رئيس الجمهورية يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة اراضيه».
في حين تقول المادة 95 من الدستور ان على المجلس النيابي المنتخب بالمناصفة تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، ما يؤكد ان القرار ليس عند رئيس المجلس انما هو في المجلس النيابي مجتمعا.
وفي حين اخذت المصادر النيابية نفسها على الرئيس بري تسرّعه في طرح مواضيع بالغة الحساسية وفي فترة دقيقة جدا، اعتبرت ان المواضيع الثلاثة التي طرحها في الفترة الاخيرة، ان لجهة الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية او اللجنة القضائىة للتعيينات الادارية وتخفيض سن الاقتراع الى 18 سنة، كلها مجتمعة ادت الى معارك فاشلة تقسيمية وغير توحيدية، لأنها اتت بشكل متفرد ومن دون مشاورات بين الاطراف السياسية حيث كان على الرئىس بري ان يأخذ وقته الكافي لدراسة مثل هكذا ملفات، لافتة الى ان رئيس المجلس ظهر وكأنه يفتش عن انجازات معينة او عن دور محوري معين ويحاول الايحاء، وعلى رغم انه يعيش في ظل «حزب الله»، انه هو المرجعية بما يعني السياسة الداخلية في حين يمسك الحزب بملفات السياسة الخارجية والامن والدفاع.
وتؤكد المصادر ان بري لم يعد الجهة الصالحة لطرح مواضيع تشكيل الهيئة وتخفيض سن الاقتراع، لأنه باستعجاله في طرحها اقفل الباب على رئىس الجمهورية الذي كان تطرق الى الموضوع في الكلمة التي ألقاها في عيد الجيش، الامر الذي خلق جبهة مسيحية عريضة معارضة في وجه الرئيس بري وادى بالتالي الى حرق هذه الورقة بدل استعمالها.
ونصحت المصادر رئيس المجلس بسحب الموضوع من التداول وترك هذا الامر في عهدة رئىس الجمهورية المعروف عنه اعتداله والذي وحده القادر على طرح الموضوع وفي الوقت المناسب.
وختمت المصادر مذكرة بأن البلاد لا تزال تعيش في ظل ازمة اتخذت في مرحلة من المراحل شكل الحرب الاهلية، معتبرة ان على الجميع في البداية إطفاء هذه الحرب الاهلية والخروج من الازمة على خلفية الانطلاق في بناء دولة المؤسسات التي هي وحدها الكفيلة بتقديم كل الضمانات المطلوبة لطمأنة الجميع للمستقبل لأنه ليس بإمكان اي كان القيام بخطوات اصلاحية جذرية واساسية اذا لم يكن هناك دولة تقدم الضمانات المطلوبة.
ومن ثم تابعت المصادر يجب التأكيد على مرجعية اتفاق الطائف كمرجعية متكاملة يجب تنفيذها كسلة واحدة، الامر الذي يسمح لأن نصل الى بنيان دولة تمثل ضمانة لجميع مواطنيها مسلمين ومسيحيين.