من يتبرّع بشرح مفاعيل الغاء الطائفية السياسية؟


لم يتبرّع احد بعد من السياسيين الحاليين، ولا من النواب الذين شاركوا في صنع الطائف، او الذين اكتفوا برفع الايدي موافقة على الطائف، بشرح دور او مفهوم الغاء الطائفية السياسية كما نوقش في الطائف، حتى يتمكن اللبناني العادي وغير العادي من متابعة النقاش الحامي الذي يدور في هذه الايام حول هذه القضية، ولا يعرف لماذا تأخذ هذا المنحى الانفعالي بين قيادات متحالفة او متخاصمة، حتى ان المطران بشارة الراعي المتملك سياسياً ولغوياً ولاهوتياً، قال في اكثر من مناسبة ما معناه، ان الكنيسة المارونية ليست ضد الغاء الطائفية السياسية ولكنها تريد ان تعرف مسبقاً ماذا بعد الغائها، والى اين سوف يذهب لبنان، وكيف سيتم تطبيق هذا البند الوارد في الدستور، وفي هذا المجال تطرح اسئلة عديدة ومتشعّبة لم يرد عليها الرئيس نبيه برّي، ولا الذين يؤيدونه في سعيه لانشاء الهيئة الوطنية التي سوف تأخذ على عاتقها وضع لبنان على طريق الغاء الطائفية السياسية.

السؤال الاول مثلا – والذي ترتبط به اسئلة عدة تدور جميعها حول المحور ذاته – هل يعني الغاء الطائفية السياسية، الغاء للمناصفة في عدد النواب واجراء الانتخابات النيابية خارج القيد الطائفي، واستكمالاً للتوضيح والشرح، هل تصبح الرئاسات الثلاث بدورها خارج القيد الطائفي خلافاً لما نص عليه الدستور، لأن الغاء الطائفية السياسية في المبدأ يفترض ان ينسحب على الحياة السياسية بكاملها، باستثناء مجلس الشيوخ الذي نصّ عليه الدستور، بأنه الهيئة التي تضم جميع الطوائف والمذاهب، وتحاول كل طائفة ومذهب ان تخطف رئاسته في مخالفة صريحة لمبدأ الغاء الطائفية السياسية، اذ من يقرر الى اي مذهب تذهب رئاسة مجلس الشيوخ، طالما ان الغاء الطائفية السياسية يفترض ان يطيح برئيس الجمهورية الماروني، ورئيس المجلس النيابي الشيعي، ورئيس الحكومة السني.

* * * * *
واذا انتهينا من بند الغاء الطائفية السياسية، وحصلت معجزة، وتوافق الجميع عليه، الا يستتبع ذلك الغاء الطائفية الادارية، والغاء الطائفية العسكرية والامنية، والغاء الطائفية الديبلوماسية والتربوية، بحيث تسقط طائفية الفئات، من الفئة الاولى، نزولاً حتى الفئة الخامسة وما بعدها، ويسقط هيكل هذا النظام القائم على اهله..

ويصبح واجباً التفتيش عن نظام بديل، سيكون حتماً نظام الديموقراطية العددية، وهو النظام الذي حذّر من قيامه العلاّمة الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين في وصاياه، لانه سيكون نهاية لبنان الرسالة، او قد يكون النظام الاسلامي المبطّن بالعدد، فيصبح عندها المسيحيون في لبنان، مثل المسيحيين في العراق والاردن ومصر وسوريا وغيرها من الدول العربية، رعايا يأكلون ويشربون ويعملون، وقد يسمح لهم بممارسة شعائرهم الدينية، ولكنهم يحرمون من تولّي اي مركز اساسي او قيادي، او ربما تعيّن لهم السلطة عدداً من النواب، كما هو الحال في الدول العربية.

اذا لم يصدر اي تفسير آخر مخالف، لما قد تصبح عليه الامور بعد الغاء الطائفية السياسية، فان المسيحيين اللبنانيين لا يفهمون الغاء الطائفية السياسية عكس هذا المفهوم، ولذلك تخوّف البطريرك نصرالله صفير من الغاء الطائفية في النصوص قبل الغائها من النفوس، ولذلك اشار المطران الراعي الى ان من يحكم لبنان مستقبلاً هو من يملك المال والسلاح، ولم يعد الكلام المطمئن الذي يقول ان لا نيّة لالغاء الطوائف وراء العمل على الغاء الطائفية السياسية، لان كرة الالغاء هذه متى تدحرجت لن توفّر الطوائف التي تحولت الى اقليّات، بل ستجرفها رغم نيّة البعض الحسنة، لأن النيّات الحسنة لم تعد بضاعة هذا العالم او هذه الايام.

* * * * *
عندها يتبيّن بالممارسة ان اتفاق الطائف الذي اصبح دستوراً، تتناقض بنوده مع بعضها بعضاً، او تتناقض مع مقدمة الدستور التي تصل الى تقديس العيش المشترك، فمن المصلحة الوطنية المسارعة الى الغاء هذه البنود او تعديلها او تفسيرها بما يحقق التوازن بين مكوّنات الشعب اللبناني الذي حرص الطائف على اعتماده واحترامه في جميع الظروف والاحوال، ويصبح عندها السعي الى اقامة المجتمع المدني، وسنّ تشريعات اساسيّة من شأنها اضعاف الشعور الطائفي، هو السبيل الصحيح لاعادة بناء لبنان على نظام مدني حديث يواكب تطورات العصر والواقع اللبناني، ويؤسس لقيام حياة سياسية وحزبية سليمة وصحيحة بعيداً من التطيّف والتمذهب، اما اذا استمرت الطروحات الفوقية، والاستنسابية في انتقاء البنود الحساسة من اتفاق الطائف، فمن المؤكد ان الاختلاف في تفسير الامور سيتحول الى خلاف خطير، سينعكس سلباً على العيش المشترك بين ابناء الوطن الواحد.

المصدر:
الديار

خبر عاجل