#adsense

خواطر وعبر من طائرة الوحدة الوطنية.

حجم الخط

 

انقضت أيام أربعة على فاجعة الطائرة الأثيوبية وبقي لغزها يحيّر الخبراء والرسميين وينكأ جراح ذوي الضحايا وأحبائهم، حيث بات العزاء والفرج يقتصر على العثور على الجثث والصلاة عليها ودفنها في أسرع وقت ممكن.

لقد وقعت هذه النكبة فجر أسبوع كان يحمل الكثير من الأخذ والرد السياسي في مجلس النواب حول إقرار تخفيض سن الاقتراع إلى سن 18 عاماً، واعتراض شريحة واسعة من النواب، المسيحيين بشكل خاص، في حال لم يتضمن التعديل سلة متكاملة لقانون الانتخابات مشددين على ضرورة إعادة الجنسية اللبنانية للمغتربين …وما الى هنالك من زواريب برع السياسيون في السنوات الأخيرة في استدراج الناس الى خلافاتهم فيها بعيداً عن صلب معاناتهم واحتياجاتهم اليومية.

ولكن شاء القدر أن تجري الأمور بشكل مغاير تماماً خلال هذا الأسبوع .. فجاءت كارثة الطائرة الأثيوبية لتوحد اللبنانيين، بمختلف انتماءاتهم وطوائفهم وسياساتهم، ليشعر كل فرد أن المصاب هو مصابه، وأن لعنة الإنتماء إلى وطن قدم القليل لأبنائه من أجل حياة كريمة فدفع بهم إلى رحاب العالم الواسع، بكل مخاطره ومعاناته، سعياً وراء لقمة العيش، هو همّ مشترك دخل الى كل بيت في لبنان دون استثناء، مما وحّد مشاعر اللبنانيين بالأسى والحرقة على شباب قضى في سبيل العمل والجد آملاً بالعودة يوماً الى أحضان الوطن للراحة بعد طول كفاح، بعد أن يؤمن حاجات عائلته لحياة هانئة ومستقبل مقبول لأبنائه.
اليوم كان قدر ركاب الطائرة الأثيوبية وغدا وحده الله يعلم على من يقع الدور.

أما على الصعيد الرسمي، فقد حطمت مأساة الطائرة الحواجز بين السياسيين فظهرت مراجع الدولة وأجهزتها، للمرة الأولي بعد طول غياب، وحبذا لو بظروف مختلفة، موحدّة بهول ما حصل، تعمل كفريق متناسق بمهنية عالية، طبعاً ضمن الامكانات المتاحة.

ولكن الملفت أنه ما أن تتوفر النوايا، حتى يصبح كل شيء ممكناً، وخصوم الأمس يصبحون السند والعون للوصول الى الهدف المبتغى، وتختفي الحواجز والعوائق بين مؤسسات الدولة لتعمل مختلف الوزارات بكل طاقاتها وبالتعاون مع سائر الأجهزة التقنية والأمنية المعنية لانتشال جثث الضحايا والصندوق الأسود وكشف الحقيقة المرة.

وبقدر ما كان هذا التعاضد الرسمي في مواجهة النكبة، بقدر ما كشفت هذه التجربة المرة ضعف المؤسسات الرسمية في التصدي للكوارث. وبالرغم انه من النادر أن تتمكن دولة لوحدها من مواجهة نكبات مماثلة أو أشد، إلا أن خللاً واضحاً في آلية عمل المؤسسات ونقص هائل في العديد والعتاد، ضمن الفرق الأمنية الثابتة والمتخصصة في الكوارث الطبيعية أو الأمنية كالتي حصلت مؤخراً، كان واقعاً.

وبالتالي، فإن جل ما يعني المواطن، هو الحد الأدنى من الشعور بالأمان في ظل دولة مؤسسات، واضحة الهيكلية، مجهزة بالتقنيات الحديثة، بدءاً من إجراء أبسط المعاملات اليومية للمواطن وصولاً إلى مواجهة الكوارث والنكبات، بعيداً عن الخلافات والمحاصصات وتأخير التعيينات إلى ما لا نهاية، خوفاً على المصالح الضيقة والحصص الطائفية …حيث يهاجر شبابنا إلى مختلف بقاع الأرض لتأمين العمل ولقمة العيش، بينما تعاني مؤسسات الدولة من الشواغر بالمئات، كالبخيل الذي ترك أولاده يموتون جوعاً دون أن يمن عليهم بلقمة من الطعام المكدس عنده، والذي فسد أخيراً دون أن يستفيد منه أحدظ. فإذا استمرت هجرة شبابنا على النحو الحاصل، هنيئاً للسياسيين وطن تم إفراغه من مستقبله، وتُرك حاضره يحتضر من قلة الحيلة والحسرة على من تركوه.

إن الغضب والأسى اللذين يشعر بهما كل لبناني اليوم، يجب أن يوظفا في الإفادة من الدروس الصعبة حتى لا تتكرر ويدفع اللبناني ثمنها من جديد.. والأهم يجب ألا تعمي القلوب عن الحقيقة فيصب جام الغضب على المؤسستين اللتين صمدتا طوال السنين العجاف، وأثبتتا جدارة في الأداء والإدارة قل نظيرهما في تاريخ لبنان الرسمي وهما شركة طيران الشرق الأوسط التي حملت الأرز عالياً وأثبتت جدارة وأداء مميزين مكناها من المنافسة مع أهم الشركات العالمية، فحبذا لو تبقى محيّدة عن الاستثمار السياسي والابتزاز العاطفي، وينحصر دورها بالانتاجية العالية لتحقيق المزيد من الأرباح والنجاحات كمؤسسة داعمة للاقتصاد الوطني وليس عبئاً ثقيلاً على كاهله المنهك.

أما مطار رفيق الحريري الدولي، أو مطار بيروت سابقاً، فله تاريخ نظيف بالرغم من كل تحديات ومخاطر الحروب العديدة التي شهدها، من الخارج أو الداخل على حد سواء، فكان من أنجح المطارات الخالية من السجلات أو الحوادث السوداء.

واليوم وبعد تطويره، فهو من أفضل المطارات في الشرق الأوسط ليس على صعيد القدرة على الاستيعاب أو المساحات الشاسعة كما في بعض دول الخليج، ولكن من ناحية الخدمات والانضباط والسلامة العامة التي يؤمنها في جو مريح وضمن فريق عمل مشهود له، بالكفاءة والانتاجية المميزة.

إن كارثة الطائرة الأثيوبية المنكوبة خلفت جراحاً عميقة، ممكن ألا تضمّد بسرعة، خاصة في قلوب أحباء الضحايا وأهلهم، إلا أن المواساة الوحيدة هي في الإيمان بالقضاء والقدر أولاً، وبالوطن القادر على احتضان أبنائه وتأمين ضرورات العيش المقبولة، ودولة المؤسسات الحديثة والفاعلة، القادرة على استبدال المحاصصة والهدر والخلافات المدمرة بالنقد البناء والإفادة من التجارب المريرة لتحسين بناء الدولة واللحاق بتطور العصر، الذي سبق ركبنا بأشواط حيث كانت الطبقة الحاكمة مشغولة بالتمترس وراء الخلافات الطائفية لتحصل أكبر حصة في الحكم وتسجيل النقاط.

على أمل ألا نحتاج لكارثة أخرى حتى نرى الدولة متحدة، وهو الأمر البديهي والطبيعي ولا نملك الا أن ندعو لأهل الضحايا بالصبر والإيمان، وللضحايا فسيح الجنان.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل