#adsense

عائد لكتابة الفشل !

حجم الخط


فور عودته الى واشنطن من جولته الرقم 12، او 14 لا ندري، أعلنت وزارة الخارجية الاميركية ان المبعوث الخاص السناتور جورج ميتشل عائد الى المنطقة قريباً!
عائد من اجل ماذا؟ لا ندري طبعاً. ليفعل ماذا؟ ليس واضحا، لا عنده ولا عند المنطقة وأهلها!

اذاً لنقل انها "سياحة ديبلوماسية"، سبق ان شاهدنا نسخاً قديمة مشابهة لها، سمّيت ايام هنري كيسنجر "ديبلوماسية الخطوة خطوة"، ثم أُطلق عليها مع مادلين اولبرايت وكوندوليزا رايس اسم "ديبلوماسية المكوك".

ولكننا لا ندري لماذا يقوم رجل مثل جورج ميتشل، الذي صنع لنفسه تاريخاً حافلاً بالنجاح، سواء في توسطه لحل الصراع في ايرلندا الشمالية، او خلال عمله المميز في الكونغرس، وقد كان في وقت من الاوقات رئيساً للاغلبية الديموقراطية، لماذا يقوم ببعثرة هذا التاريخ فيذروه مثل رماد قصة فاشلة في فضاء الشرق الاوسط؟

أولم يقرأ تاريخ الوسطاء الذين سبقوه الى مواجهة الفشل، وبينهم من كان يمسك بدفة قيادة الديبلوماسية الاميركية؟ أولم يدقق في أقبية علاقة الانحياز الاميركي الاعمى الى اسرائيل او في اقبية قوى الصهيونية التي تمسك بدفة السياسة الخارجية الاميركية في الشرق الأوسط؟

❑ ❑ ❑

ثمة ما يدعو الى الذهول وعدم التصديق، اذ ماذا في وسع المسكين جورج ميتشل ان يفعل اذا كان "الانزال الكبير"، السياسي والديبلوماسي والامني، الذي سبق ان حمل سبعة من كبار المسؤولين الاميركيين اضافة الى هيلاري كلينتون الى تل ابيب، لم يتمكن من وقف جرافة اسرائيلية واحدة تعمل على نهش اراضي الفلسطينيين؟

واذا كان الرئيس باراك اوباما، الذي ملأ فضاء هذه المنطقة قبل عام بالوعود الزهرية و"اقامة الدولتين"، "لان مصلحة اميركا الحيوية تتصل بالسلام في الشرق الاوسط"، قد وقف امس ليلقي خطاب "حال الاتحاد"، فتطرق الى العراق وافغانستان وايران ولم يشر بكلمة واحدة الى ذلك الحل، الذي كان قد وصفه بأنه يشكل مدخلاً حيوياً وحيداً لعلاقة اميركا مع العرب والمسلمين، وانه سيبدأ سياسته الخارجية به، فإن ذلك يعني ان ميتشل لم يحصل تكراراً من رئيسه على اكثر من الخيبة المُرة، في حين لم تعد المنطقة تتسع لمزيد من الخيبات البغيضة والمتلاحقة التي اصابتها من الادارات الاميركية المتعاقبة.

واضح ومفهوم ان واشنطن تحرص منذ ربع قرن واكثر على القول انها تريد ان تحافظ على "دينامية المساعي السلمية"، وهذا يعني عملياً انها تريد ان تبقي جثة الميت ساخنة، فلا تدخلها الى البراد ولا تقيم لها دفناً لائقاً.

ولكن ليس واضحاً في المقابل لماذا يقبل السناتور ميتشل بأن يكون ذلك الواهم المضطر الى مواصلة النفخ في الجثة لإحيائها، وخصوصاً بعدما تبين وبسرعة مذهلة ان اوباما لن يتمكن من ان "يرقى" الى ما "حققه" جورج بوش، عندما تحدث الاخير عن رؤيته لقيام الدولتين، ولو كان الامر في حينه بمثابة رشوة سياسية كريهة للدول العربية كي تبتلع حربه على العراق.

❑ ❑ ❑

عندما وقف اوباما في البيت الابيض والى يمينه ميتشل والى يساره ريتشارد هولبروك، الذي عيّنه وسيطاً لحلّ الأزمة في افغانستان وباكستان، قيل ان رياح التغيير التي حملته رئيساً الى البيت الابيض لن تلبث ان تُحدث فرقاً، فها هو يأتي بـ"الاوزان الثقيلة" ليصنع الحلول في فلسطين وافغانستان. وعندما رفع سقف وعوده في القاهرة كما في أنقرة الى السماء صدّق الكثيرون، ومنهم ميتشل على ما يبدو، ان الادارة الاميركية الجديدة ستطبّق سياسة جديدة، واعية، عادلة، ذكية، شجاعة وتخدم الاستقرار ومصالح واشنطن الحقيقية على المدى البعيد.

لكن كل ذلك سقط في اقل من سنة. وسريعاً اصطدمت سفن اوباما بصخور ارخبيل سياسة الاحتلال والتوسّع الاسرائيلية. تماماً كما كتبت هذه الزاوية عندما انطلقت حملة الكونغرس ضد اوباما لمجرد دعوته آنذاك الى وقف الاستيطان شرطاً لمعاودة المفاوضات.

كان المطلوب ان يتمكن اوباما من ليّ ذراع بنيامين نتنياهو، لكن ما حصل جاء معاكساً تماماً، فقد أطبق نتنياهو على أوباما في الصحافة الاميركية وفي الكونغرس وحتى داخل الحزب الديموقراطي، ولم يكتفِ باسقاط وعوده فحسب، بل وصل الى حد قيام هيلاري كلينتون بوصف مناورة تل ابيب حول الوقف الموقت للاستيطان في مقابل التطبيع، وكأنها انجاز غير مسبوق!

ويبقى السناتور ميتشل محلقاً في سماء المنطقة، جوالاً يبيع الاوهام، التي لا نعتقد قط انه يصدقها وهو الديبلوماسي والسياسي العريق. ونحار لماذا يريد ان يكتب هذا الفصل البائس في تاريخه الناجح. واذا كانت مجلة "فورين بوليسي" الاميركية قد دعته قبل يومين الى التنحي لانه يضيع وقته، فقد سبق ان دعوناه تكراراً الى هذه الاستقالة!

المصدر:
النهار

خبر عاجل