#adsense

إلى الساكن في أعماق البحر … إلى صديقي خليل

حجم الخط

مع سقوط الطائرة سقط اللبنانيون في الصدمة والذهول والحزن وما زالوا … عيونهم وقلوبهم مشدودة إلى بحر الناعمة الذي ابتلع ذات ليلة هوجاء " طائرة الموت " حاملة اليه شباباً ممتلئين بالحياة والاحلام والطموح وروح المغامرة … ولكن في لحظات قاتلة ، استحال الحلم كابوساً وسقط الطموح إلى القعر وتكسرت المغامرة عند اقدام موج غاضب وتناثرت الحياة في ارجاء ليل عاصف …

قاسية وموجعة تلك الليلة الليلاء التي خطفت أحباء وأبرياء من أحضان الحياة الدافئة ورمتهم في المياه الباردة جثثاً وأشلاء مقطعة … تلك الطائرة اللعينة التي سرقت الفرح من عيون أطفال وزرعت الخوف والحزن في قلوب أمهات … أطفال سينتظرون كل صباح من يأخذهم بين ذراعيه وليس من يأتي … أمهات ستجدن أنفسهن وجهاً لوجه أمام واقع مرير وفراغ مفزع وليس من يملأ الفراغ ومن يخفف طعم المرارة .

حزن عميق دخل كل بيت … وكارثة وطنية حلت على اللبنانيين الذين عرفوا مآس كثيرة على الأرض ولكنهم لم يتوقعوا يوماً أن تأتيهم مآس من الجو ، و كما في كل مرة وبعد كل تجربة قاسية يخرجون أقوى في إيمانهم واشد تعلقاً بوطنهم وأكثر إقبالاً على الحياة وأكثر تضامناً فيما بينهم … المصيبة جمعتهم من الجنوب إلى بيروت وكسروان وجبيل والشمال وكل لبنان فساوت بينهم والغت كل فارق طائفي ومناطقي وطبقي . الكل شعر بفداحة الخسارة ووطأتها. فقد اغتال الموت نخبة من شبابنا واهلنا في غفلة من الزمن تاركين وراءهم الاسى والحزن واللوعة.

واحدٌ من هؤلاء هو صديق حبيب قريب إلى قلبي وسيبقى … الشيخ خليل نامي الخازن الذي دفع غالياً ثمن نخوته واندفاعه الانساني . هذا الشاب الذي كان يشع حيوية وحركة وبشاشة وجه ودماثة اخلاق كان له القدر بالمرصاد . خليل الذي خاف على حياة (ابن خالته) وذهب لمساعدته والوقوف إلى جانبه خسر هو حياته . لم يقلقه توجس والده الشيخ نامي الخازن ولا ثني شقيقه الذي لم تلده امه وصديقه و أبن خاله الشيخ فريد هيكل الخازن وكل الأهل بعدم الذهاب إلى اثيوبيا لأنه ليس هناك من جدوى لذهابه وحيداً دون اطباء اخصائيين. لم ترهبه العاصفة السوداء الرابضة فوق سماء بيروت ، لم يثنه خوفه الكبير والدائم من ركوب الطائرة … لم يسمع إلا صوت نخوته يدعوه للوقوف إلى جانب من لامس خط الموت وهو في الغربة .

لم يكن في رحلة استجمام ولا كان في هذه الطائرة بصفة رجل اعمال . كان فيها انساناً مرهف الاحساس ومثقلاً بعاطفة جياشة . هذا هو خليل الخازن الذي خبرته دائماً كتلة من الاحاسيس والمشاعر الانسانية التي لا تنضب ولا توصف لأنها من الصنف النادر في عالمنا المادي الذي خفتت فيه أصوات المحبة والصدق والوفاء والتضحية . خليل الخازن انسان رائع سنفتقده كثيراً وسيؤلمنا فراقه وسيكون من الصعب تعويضه وإيجاد من يحل مكانه ويأخذ دوره .

خليل الخازن حركة لا تهدأ ، وشغف في العمل لا يستكين ، وجرأة في الموقف ، وارادة في التحدي والمواجهة لا تلين… سنفتقدك كثيراً ونفتقد حيويتك وحضورك وجلساتك وديناميكيتك ، سنفتقد الانسان الطيب الهادىء في طبعه مثل سكون الليل ، الهادر في عطائه مثل موج البحر، الهانىء في وداعته مثل ابتسامة الفجر .

خليل خرج في الليل صدفة ليسرقه الموت خلسة .. سقط في البحر فجراً ليسكن قلوبنا دهراً .
إلى والده " الاسد الجريح " والصديق الحبيب الشيخ نامي الخازن أقول ،
أعانك الله واعطاك نعمة الصبر ومنحك القوة والصحة لتبقى واقفاً إلى جانب الامانة التي أودعها لك الحبيبان خليل وماغدة عنيت فلذة اكبادهما ( نامي ، ميرا ، مراد ، مايدة ) لأنك اصبحت اليوم كل حياتهم وأملهم الباقي ومسؤوليتك كبيرة ، تصبّر … فالله مع الصابرين.

المصدر:
صدى البلد

خبر عاجل