#adsense

“عمل” عربي مشترك ؟!

حجم الخط

ليس خافياً على أحد أن لإسرائيل مشروعها في المنطقة، ولكن عندما يدعو الرئيس سعد الحريري من القاهرة وبعد محادثاته مع الرئيس حسني مبارك الى وجوب "أن يكون لنا نحن العرب مشروعنا ايضا، ومن خلال عمل عربي مشترك" فإن ذلك يعني أمرين:

❒ أولا: الدعوة الصريحة الى قيام تفاهم عربي ملزم وعميق، يخاطب أميركا والعالم بلغة واحدة جادة وحازمة، انطلاقا من أن هناك "مبادرة عربية للسلام"، أجمعت عليها القمم العربية الاخيرة، ولم يعد مقبولا ان تبقى مهمشة لدى الاميركيين ومرفوضة من العدو الاسرائيلي.

ولهذا فان الدول العربية مدعوة عمليا الى وضع سيناريو أو مشروع على قاعدة الاعلان السابق، ان هذه المبادرة لن تبقى فعلا مطروحة على الطاولة، وهو ما أعلنه خادم الحرمين الشريفين في قمة الكويت، التي اختار ان يجعل منها مدخلا الى اعادة ترتيب اوضاع "البيت العربي" عبر المصالحة مع سوريا كما هو معروف.

طبعا ليس المطلوب البحث عن بدائل من هذه المبادرة، بل المطلوب كما توحي كلمات الحريري، توجيه خطاب عربي قوي الى أميركا والرباعية الدولية على الاقل، يشرح الاخطار الكبيرة التي تترتب على استمرار التغاضي عن سياسات التوسع والعدوان والتهديد، التي تمارسها اسرائيل ضد الفلسطينيين والعرب، في وقت يواصل المبعوث الاميركي السيناتور جورج ميتشل "سياحته" الديبلوماسية اليائسة والفاشلة في المنطقة، وسط مؤشرات موضوعية جادة ومؤسفة لفشل الرئيس باراك أوباما الى الآن، في تحقيق وعوده بالعمل لقيام الدولتين وتحقيق السلام في الشرق الاوسط، وهو ما أعلنه صراحة قبل عام، وتجاهله تقريبا قبل يومين في خطابه عن "حال الاتحاد".

❒❒❒

نعم، يحتاج العرب الى مشروع يتبلور من خلال "عمل عربي مشترك".
ما هو هذا "العمل"، مع التشديد على كلمة عمل؟
طبعا ليس مطلوبا من سعد الحريري أن يقرر ما هو هذا العمل بالتحديد، الذي يتمكن من تنبيه العالم الى أهمية "المبادرة العربية للسلام" وخطورة الاستمرار في التغاضي عنها. بل المطلوب ربما من القمة العربية المقبلة مثلا، أن تقدم مثلا هذا المشروع. فخلال شهرين يمكن صوغ خطاب عربي يبلور مثل هذا العمل الضروري.

وليس سرا أن التصريحات الاخيرة التي أدلى بها وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل في واشنطن، وعكست ضيقا متناميا من تراخي الادارة الاميركية مع تل أبيب وتبرما بالتساهل في مسألة الاستيطان، وانزعاجا من الالحاح غير المقبول على موضوع التطبيع، ليس سرا ان هذه التصريحات، اضافة الى ما يشبه اليأس العربي المتنامي من فشل واشنطن والمجتمع الدولي في تسوية أزمة الشرق الاوسط، يمكن ان تشكل الابجدية السياسية الضرورية لصوغ المشروع العربي الذي يطالب به الحريري، ومن القاهرة تحديدا!

❒ ثانيا: يستعيد سعد الحريري عبر مطالبته هذه، نهج والده الشهيد في الدعوة الدائمة الى التضامن ووحدة الموقف العربي لمواجهة العدو الاسرائيلي، من خلال امتلاك خطاب واضح ومقنع يوجَّه الى اميركا والعالم الغربي تحديدا، ليظهر عمليا ان اسرائيل التي تحتل أرض العرب وتواصل الحروب والاعتداءات عليهم، وقد نال لبنان الكثير من هذه الحروب، هي التي تصنع الكراهية والحقد والارهاب، وهي التي تهدد الاستقرار في المنطقة والسلام في العالم، وتعرض العلاقات بين الغرب والعالمين العربي والاسلامي لرياح العداء والضغينة، وان العودة الى تصريحات رفيق الحريري في زياراته الاوروبية تبرز مثل هذه المطالبة.

واذا كان بارك أوباما قد اعترف علنا بهذه الحقائق في خطابيه في أنقرة ثم في القاهرة، فان من الضروري ان يذكّره العرب بما قال، وربما ان يدعموه (!) ليتمكن من تطبيق ما وعد به، من خلال تظهير المشروع العربي المشار اليه، الذي يستطيع أن يؤكد للرأي العام في أميركا والغرب ان العدوان الاسرائيلي المفتوح على العرب، هو استطرادا عدوان مفتوح على مصالح اميركا والغرب القومية والحيوية في هذه المنطقة.

❒❒❒

أما في ما يتعلق بالتهديدات الاسرائيلية للبنان فلم يكن غريبا ان يكرر الحريري في تصريحاته، بعد محادثاته مع المسؤولين المصريين، التشديد على أهمية التضامن العربي في مواجهة هذه التهديدات التي تصيب كل لبنان أينما حصلت، وذلك في رد صريح على مسلسل تهديدات العدو التي تستهدف الجنوب و"حزب الله"، وهي تهديدات متلاحقة وسافرة ووقحة للحكومة التي تمثل كل لبنان وكل لبناني.

واذا كان الحريري قد سمع من الرئيس مبارك ان مصر تقف قلبا وقالبا الى جانب لبنان وترفض كل ما يهدده، فان هذا يذكر بالتأييد الذي كان قد سمعه من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وكذلك من رئيس الحكومة التركي رجب طيب أردوغان، ولكن الاعتماد اللبناني في النهاية لا يتوقف على وعود الدعم والمؤازرة، بل على وحدة اللبنانيين وتضامنهم في مواجهة أي عدوان يقع على أي شبر من الارض اللبنانية، سواء في الجنوب أو الضاحية او البقاع، الذي تتحدث صحافة العدو هذه الايام عن تفكير في امكان اجتياحه في أي حرب تشنها اسرائيل ضد "حزب الله" لقطع الإمداد السوري له.

في أي حال، لا نغالي اذا قلنا إن قيام مشروع "عمل" عربي قوي وجاد وجامع قد يغير قواعد "اللعبة" في المنطقة، فيوقف العربدة الاسرائيلية ويقيم التسوية العادلة والشاملة والدائمة التي تتبناها القرارات الشرعية الدولية وتقوم عليها بنود المبادرة العربية للسلام.

المصدر:
النهار

خبر عاجل