كتب طوني أبي نجم في "النهار": على هامش الحادث المأسوي المتمثل بسقوط الطائرة الأثيوبية بعيد إقلاعها من مطار الرئيس رفيق الحريري الدولي الاثنين الفائت، علت أصوات تطالب شركة طيران الشرق الأوسط بتكثيف رحلاتها المحدودة حاليا الى القارة السوداء. وبغض النظر عن أحقية هذا المطلب فإن ثمة أسئلة تطرح عن الأسباب التي جعلت الخطوط الجوية الأثيوبية أهمّ ناقل بين لبنان وأفريقيا. وبالعودة الى أرشيف الأعوام الخمسة الماضية تتضح أمور كثيرة…
بين أواخر 2004 ومطلع 2006 كان ثمة قرار من السلطات اللبنانية بمنع استقدام العاملات الأثيوبيات الى لبنان. قبل صدور القرار المذكور كانت خطوط جوية عدة تعمل بانتظام بين لبنان وأفريقيا، وأهمها الخطوط المصرية والأثيوبية واليمنية وغيرها. ولكن مع بداية الـ2006 وصدور قرار جديد عن السلطات اللبنانية بالسماح مجددا باستقدام العاملات الأثيوبيات الى لبنان تغيّر الوضع كليا.
فبعدما كانت المنافسة متاحة أمام الجميع، ظهر نوع من الاحتكار تسبّبت به في ظاهر الأمور القنصلية الأثيوبية في لبنان والتي ألزمت كل من يرغب باستقدام عاملة أثيوبية بأن يحجز لها بطاقة سفرها على الخطوط الجوية الأثيوبية كشرط مسبق للموافقة على طلب استقدامها الى لبنان.
في الشكل كان الأمر مستغربا جدا ومناقضا لكل القوانين، وأهمها سياسة الأجواء المفتوحة التي اعتمدتها الحكومة اللبنانية بتاريخ 8/11/2000. وبفعل هذا الواقع تضررت الخطوط الجوية الأخرى التي كانت تعمل على هذا الخط ولحقت بها خسائر مادية كبرى جراء الاحتكار الذي مارسته الخطوط الأثيوبية. وقتها سارعت الخطوط الجوية اليمنية الى التحرك على أكثر من مستوى. فبادر مديرها في لبنان عام ذاك فهد العريقي الى إجراء سلسلة من الاتصالات والمراجعات السياسية والأمنية والقانونية وصولا الى الادعاء أمام القضاء اللبناني.
كما عملت الديبلوماسية اليمنية على القيام بالاتصالات اللازمة مع السلطات الأثيوبية في أديس أبابا لمعالجة الإجراءات المتخذة من القنصلية الأثيوبية في لبنان، والتي تأكد بفعل المراسلات الديبلوماسية أن لا علاقة للسلطات الأثيوبية المعنية بها!
هذا الواقع دفع بالعريقي الى العمل للضغط سياسيا من خلال مراجعة مسؤولي وزارة العمل والقيمين عليها إضافة الى المدير العام للأمن العام بعدما اتضح له وجود تواطؤ ما بين القنصلية وبعض الدوائر الرسمية.
وبغض النظر عن صحة وجود هذا التواطؤ، فإن الوضع الذي كان قائما اثار الدهشة فعلا. فبحسب كل المستندات الرسمية كانت القنصلية الأثيوبية تطلب مستندات عدة للموافقة على استقدام العاملة ومنها بطاقة سفر للعاملة على الخطوط الأثيوبية كشرط للموافقة، ومن دون إبراز بطاقة السفر المذكورة ترفض المعاملات فورا!
ولفهم أسباب هذا الاحتكار قد يكون من المفيد العودة الى جدول وصول الوافدين الأفارقة الى لبنان بالأرقام خلال عام 2006 على سبيل المثال. فقد بلغ إجمالي عدد الوافدين 23486 شخصا من مختلف دول أفريقيا، وبينهم 11230 أثيوبيا، أي ما نسبته نحو 48 في المئة من إجمالي الافارقة القادمين الى لبنان.
هذا الواقع الاحتكاري الذي استمرّ لأكثر من عامين أدى الى أن تصبح الخطوط الأثيوبية الناقل الأول من أفريقيا الى لبنان، والى تراجع عمل الشركات الأخرى، وأصبح خط بيروت – أديس أبابا شبه إلزامي للمتجهين الى كل دول أفريقيا الشرقية.
وبالأرقام، وبعدما كانت الخطوط الأثيوبية تسيّر رحلتين أسبوعيا من بيروت الى أديس أبابا، رفعت عدد الرحلات الى واحدة يوميا إضافة الى عدد من الرحلات الإضافية شهريا لتلبية الحاجة المستجدة على هذا الخط. وبالأرقام فإن الرحلات الإضافية (تشارتر) للخطوط الأثيوبية بلغت عددها 2 في شهر تشرين الثاني 2006 (بتاريخ 2 و11 منه)، 6 في شهر كانون الأول 2006 (بتواريخ 2 و5 و24 و27 و29 و31 منه)، 2 في كانون الثاني 2007 (في 2 و21 منه) و2 أيضا في شباط 2007 (في 1 و8 منه)!
كل ما تقدم في واقع تكثيف رحلات الخطوط الأثيوبية الى لبنان في موازاة تراجع عمل الخطوط الأخرى التي تكبّدت خسائر جمّة بعدما وصلت في عدد كبير من رحلاتها لأن تنقل ركابا لا يزيد عددهم عن عدد أصابع اليد الواحدة، كل ذلك أدى الى أن يلجأ اللبنانيون المنتشرون في دول أفريقيا، وخصوصا دول شرق أفريقيا الى استعمال الخطوط الجوية الأثيوبية في تنقلهم ما بين وطنهم الأم لبنان ودول انتشارهم.
وإذا كان القضاء اللبناني قال كلمته في هذه القضية من خلال الدعوى التي تقدمت بها الخطوط اليمنية وربحتها ضد القنصلية الأثيوبية والخطوط الجوية الأثيوبية، إلا أن أكثر من سؤال يطرح في هذا السياق: لماذا لم تتحرك وزارة العمل اللبنانية يومذاك بفعالية، وهي كانت في عهدة وزراء في "حزب الله"؟ مع الإشارة الى أن مدير الخطوط الجوية اليمنية السابق فهد العريقي كان وضعهم في كل الأجواء المحيطة بالقضية كما وصل به الأمر الى مراجعة مسؤولين نافذين في "الحزب" رفضوا معالجة الأمر. ولماذا يحاول اليوم البعض إلقاء اللوم على طيران الشرق الأوسط؟ وهل المطلوب من "الميدل إيست" أن تتراجع عن النجاح الذي حققته وأن تعود الى الوقوع في خسائر في حال أصر البعض على القيام بخطوات وتسيير رحلات بشكل غير مدروس اقتصاديا؟.
قد يكون مفيدا على هامش الحادث المفجع بسقوط الطائرة الأثيوبية والضحايا أن يجري العمل على تشجيع المنافسة لاستقطاب أكبر عدد من الخطوط الجوية الى لبنان، ضمن المعايير العالمية بما يؤمن أفضل الممكن للبنانيين المنتشرين في أفريقيا وفي العالم كله.