فجأة، في الفجر، أو تباشيره، سقط كل شيء. مات كل شيء؛ وقبل ان تدرك الطائرة الأثيوبية الماء، صارت حطاماً. الأجسام جثثاً. والحيوات ميتات غير معلنة. هكذا بلا وقت. بلا زمن. بلا مكان. بلا صوت. كُومٌ في الفضاء على كوم وأشياء غارت، ثم تبعثرت، ثم غاصت، في ذلك العدم الصامت.
طائرة انشقّت. التهبت. ثم فرغت من كل آلاتها، باتت خِردة، معطلة متفرقة. آلات مفككة في الهواء بلا وزن ولا أحجام. هشة. بائسة. لا شيء. ثم وعندما اختفت كأنما لتحمل معها خجلها الأخير: نكستها الأخيرة. انها الآلة التي تقضي قبل الانسان. تنعدم معه. ليتساويا في أمور اللحظات الغامضة. اللحظات القدرية. "الحكمة غير المنظورة. العدالة الكونية البائسة. اللحظة التي تصير أبداً خالصاً؛ لأنها تصير عدماً: والأبدية عدم غير خلاب. تهويم الخرافة على الخرافة. القضاء على القدر. القدر على المصائر. هكذا يتحول كل شيء، وبلا مقدمات الى محضٍ. مجرد محض. والمحض بلا تتمة هو غير المعقول في غير المعقول. سوء تفاهم بين الاجسام والأساطير والأشياء والتعاويذ والأديان والأسئلة العبثية: المحض. الأسئلة اللاشيء. لكن في مثل هذه الأحوال "الصاعقة" يبقى الأَثَر كأنما ليكون بديلاً من الأصل. الظل ليكون بديلاً عن الظل. الجثة لتكون بديلاً من الجسم، الملابس لتكون بديلاً من رائحة الفقدان، الأحذية لتكون بديلاً من الخطى. الأمتعة لتكون بديلاً من الأنفاس. الحقائب لتكون بديلاً من كل الأسفار المؤجلة.وعندما شاهدت على شاشات التلفزيون تلهّف أهالي "المفقودين" والضحايا وتدافُعَهم لتسلّم جثث أبنائهم أو آبائهم أو اصدقائهم أو تهافتهم لمعرفة أمكنة الجثث، كأنما تصبح الجثث الأثر الباقي: الملموس، و"الحي" امامهم. تصبح الجثة دليلاً على الموت، لكن ايضاً اشارة الى الحياة، وعندما تذرف هذه الأم أو الأخت أو الزوجة.. دمعة وهي تضم جثة أو تواكبها او تتمسك بما لفّت به، فكأن هذه الدمعة تسقط، كما المطر، لتُحيي ما تحيي، من موات، أو لتعيد ما تعيد من مغادرة. بل كأن الدمعة (وهي أثر) كأنما تُحفِّر في العيون أو في الوجوه سبلاً للذكرى، او بخوراً للآخرة. دمعة الآخرة كَسَفرٍ مجهول، ترافق ذلك الميت الى حيث لم يرسم خطاه. بل كأنّ الجثة التي تصير جثماناً ثم رفاتاً.. ثم رماداً، تبقى من أصحابها. تبقى من هويتها. قد يُقايض جِسمٌ بجسم. وشيء بشيء. وأرض بأرض. لكن لا تقايض جثة بجثة. انها الهوية. بالإسم. والشهرة. والولادة. والعائلة. والمذهب. والصورة. والتاريخ. وهكذا يجب أن تكون: على هذا، لا مجاز بالمعنى الاستبدالي. وفي مثل هذه الكوارث الجماعية حيث تختلط الأشياء بالأشياء، والأجسام بالأجسام والمذاهب بالمذاهب والصمت بالصمت. والخوف بالخوف. والأعراق بالأعراق. والألوان بالألوان. تبقى الجثة هي التي تميّز بين الموتى والموتى. بين الجغرافيا والجغرافيا: انها دليل الى أصحابها، والى مآلاتها. والى جذورها. تصير هوية نفسها، أو حاملة هوياتها. واسترداد الجثث (أو تسملها) بهذه اللهفة، والحرص، كأنما استرداد للأصل. (أو للأثر) أو حتى للحياة. وهل اكثر من مهانة تصيب ميتاً (أو حياً) سوى فقد الجَثة: سوى فقد الأثر. الدليل. السبيل؟ ولا يهمّ احياناً، ومن باب القبول بالواقع، أن تبقى من الجثة الأشلاء، مجرد اشلاء. او طرف من أطراف. فهذا يكفي أحياناً لاسترداد الهوية. ولا يهم اذا لم يتم التعرف الى صاحب هذه الجثة او ذاك، بل يهم التأكد من هويته ومن أهله عبر الحمض النووي اليوم، وعبر العلامات الفارقة أو ما ينم عنها في الماضي. وهنا نتذكر مفارقات او اختلافات في التعامل مع الأجسام بعد الموت: بعض الملل الآسيوية تحرق الجثث كفعل تطهيري وتذري رمادها في الهواء. فكأن الأثر المحض يكمن في العدم المحض. في التلاشي المحض. في الغياب المحض. ليرتد كل شيء الى الداخل. داخل المعتقد. اوالخرافة، أو الحياة في الممات. كان الفراعنة يُحنطون الجثث، جثث الملوك وكبار القوم لتكون كاملة في سفرها، وجاهزة في تحولاتها، من دون أن ننسى زاد السفر من مآكل ومشارب وملابس وكنوز وذهب. فكأن الرحلة من الحياة الى أخرى لا تختلف كثيراً عن الأسفار العادية. وعند المسيحيين احترام للجثث تطيب وتُغسل وتُلبس الثياب اللائقة في هذا السفر الساكن. وعند المسلمين ايضاً احترام للموت ومهابة للجسم بعده: يدفن كما ولد. بلا توابيت. ولا نواقيس. انها اللحظة العارية التي يصبح الجسم كله عارياً أمام الأبدية. وهنا بالذات يكون للحزن وللأسى وللذكرى والدمع… ما يصل الموتى بالأحياء. بل كأن الدمع هنا مفارقة مع "القدر" أو أسفاً عليه. على عكس المذاهب التي ترى الموت قدراً خالصاً علينا تقبله بلا غضب أو رفض أو شك أو حزن أو فرح، لكي لا يفسر ذلك رفضاً لمشيئة القدر أي رفضاً لمشيئة الله.
لكن ماذا نفعل، نحن، بكل هذه الآلام التي تصيبنا من فراق الأحبة والأهل، والاقارب وهل يبقى لنا غير ما نملكه، في عيوننا، أو ربما ما نجرؤ على تساؤله في أفكارنا (المنكوبة بالنهائيات) من شكوك ومن شكوى، نكبتُها تحت كل هذه السقوف. الا نتذكر هنا، ونحن أمام كارثة الطائرة الاثيوبية التي قضى فيها 90 ضحية منهم 60 لبنانياً، كارثة الزلزال المرعب في هاييتي الذي قتل 150 ألفاً، وما زال تحت الأنقاض 200 ألف مفقود. وفي الكارثتين ما نعجز عن تفسيرها: "القدر" الطبيعي. هنا الصاعقة (ربما) وهناك الزلزال. وفي أمكنة اخرى الفيضانات والسيول والبراكين: من يُحرك هذه الطاقات لتدمر ما تدمر: أو لتعاقب من "يستحق" العقاب من فقراء ومعدمين وآخرين؟ أو من لا يستحق من ابناء الاله الواحد؟ أو من ليس له أن يعي تجارب من "يُجرّبه" من أطفال مثلاً: وهل نميت الطفل لكي نجرب "صبره" وهو في يومه الأول او شهره الأول أو حتى سنواته الأولى؟ فكرة العقاب هذه لها الحيز الكبير في بعض الأديان. للاله ان يعاقب من شاء من الخطأة شعباً كاملاً اذا خالف أوامره أو مشيئته بالطوفان أو بالزلازل أو بالأمراض، أو ان يجرّب "عبداً" من عبيده كما فعل مع "ايوب" مثلاً.. وليس علينا الا ان نميز بين الموت كعقاب وبين الموت كشهادة؟ هذا موجود ايضاً: الحياة هي الثمن. وما نشهده اليوم من عمليات "انتحارية" او استشهادية.. وما عرفناه على امتداد قرون من أفعال "الافتداء".. ومن أفكارها الثابتة تعني كلها ان الحياة هي الثمن الأول والأخير: أحياناً الثمن الأبخس وأحياناً الثمن الأغلى: وفي الحالات استحضار العدم "المبرّج" او "المقنع".. باحلام القيامة والعودة الأبدية. والتقمص والجنة.. والنار. وما بين بين.. مع هذا تبقى الـ "لماذا" هي السؤال. بل الخوف من السؤال. ويبقى ان هذا الجسد "المُحتَقَر" من الأديان والفلسفات (ابتداء بالبوذية)… هو الوسيلة المثلى للانتظار، او الاداة "العجائبية" للمقايضة.. بحيث تُقوّس "الجثث" وتعدم الأجسام. "تُحتقر" الحياة.. وتقدر الجثامين. انه المنطق الذي علينا اتباعه لمقايضة الحياة بالموت، أو الموت بالحياة. وعندها علينا تقبل فكرة أن الحياة جزء من الموت. وعندها علينا ان نعتبر ان الأضرحة أو المقابر "أقدس" من المنازل. وان تدليسها تدليس لكل شيء، في وقت لا يظن فيها انتهاك المنازل.. لا تدنيساً ولا اي شيء آخر. الموت ينتصر على الحياة في الحياة. والحياة وسيلة للموت. والموتى يحكمون الأحياء. والماضي يحكم الحاضر. والتاريخ كأنه تابوت لا يضم سوى المخطوطات الميتة والمومياءات ووثائق العدم. كل هذه الأمور تتحول نحو التعليب اليوم لتتباعد: كانت المقابر في العصور السالفة جزءاً من المدن، قرب المدن، قرب الناس، قرب السلطة، ثم ابتعدت، أبعدوها الى خارج المراكز والحضر والمدن، فصلوا الأحياء عن الأموات لا ليزيدوا من التقديس وانما للتفريق بين الحزن والمشاغل. بين الذكرى وبين الانتاج. بين الهواجس اليومية والحنين الى الأبدية وحتى الطقوس اليوم، اختزل الكثير منها. صار للجثامين أمكنة عمومية للصلاة عليها ومن ثم مواراتها الثرى. حتى المقابر صارت عمومية تستأجر كما سيارة أو منزل.
لكن كل هذا لا يُعدم "الأسئلة" الخائفة. "لماذا" وكل هذا لا يلغي كوننا نحن هنا في الشرق عموماً، ما زالت الشعائر والطقوس على استمرارها. لحظة بين الفقيد والفاقد، كأنها معبر الى الموت نفسه. الى اعماق الجثمان. الى أعماق الذات، حتى التماهي الغامض، او الاسترسال الشغوف. انها الأواصر تجمع الأشلاء. الوشائج تلّم البُقيا. الدموع تُعبئ الهاوية بين الرحيل والقدوم. هذا ما كان لنا ان نعاينه وسبق ان عايناه على امتداد الكوارث والضحايا التي عرفناها في لبنان والعالم العربي وسواهما.
ما زال من ذلك الدمع في مآقينا، وحقٌ ان تذرفه. وذرفناه امام كارثة "هايتي" وغيرها.. وامام كارثة الطائرة الأثيوبية. وما زال من ذلك الأسى في قلوبنا يشدها لوعة على ضحايا من أهلنا. ومن أعراق وأجناس أخرى. من أهلنا وحزننا من أحزانهم. ولوعتنا من لوعاتهم. ومثلهم امام الشاشات ووسائل الاعلام ننتظر الجثامين وكأنها فلذٌ من فلذاتنا. وتاريخ من تاريخنا وانفاس من انفاسنا. ومثلهم هدّنا الانتظار ننتظر على الشواطىء نراقب سفناً وطائرات تبحث عن مفقودين. وهم مفقودونا. نسرح انظارنا في البحر، الذي صار مقبرة واسعة بلا حدود. وبلا مراسم. ولا طقوس. مقبرة بحرية أضيق على رحابتها، من جثة طفل. او من بقايا جسم عزيز على اهله. وناسه. وعلينا. فما اضيق هذه المقبرة البحرية. وما أوسع اسفنا. انها من تلك اللحظات التي لا تعرف حداً. ولا مآلاً: ما زال مشهد الامرأتين اللتين تقفان قبالة البحر، وتحدقان في ذلك المدى الغامض تنتظران بصبر المنتظرين خبراً، اي خبر لتصدقاه. تحدقان في ذلك السطح الأهوج، بين العاصفة والرياح، والأمواج العاتية لعلّ في ذلك العتو ما ينبئ أو يبشر ولو بمعجزة. ومثل هذه اللحظات منذور للمعجزات. وللخوارق وللآمال العائمة على أديم تلك المقبرة البحرية. الصامتة. القاسية. الجحود. لعّل شيئاً منها ينفتح، أو يُشَقّ. ويُفرج عمن أدّفنَ فيها، او توارى، أو تناثر "كأنما تستعيد أسطورة إيزيس وأوزيريس".
انهما امرأتان مُسنّتان. صامتتان. منتصبتان. برغم أحمال السنين. وبرغم احمال الأحزان تنتظران: خيالان كأنهما ينتظران من يُعيد الى خافقهما الحياة أو شيئاً ما، بأمل، أو بعثور على جثة، أو حتى على أثر. امرأتان تختصران الانتظار الذي لم يعد يأتي، بغير الموتى. بغير ما وارته تلك المقبرة البحرية، باجداثها وعلاماتها واعماقها ووعورتها والتباساتها. انه انتظار الموتى ليعودوا!
وهنا الموتى يعودون بالأحياء. ولو بقايا. ولو أطرافاً. ولو قبعة طفل. ولو دمية. ولو قميصاً. ولو ساعة يد. ولو خصلة شعر: انها من مجازات الحياة اولاً وأخيراً. وان استُرجعت بلا ابدانها. ذلك ان الابدان لا تكون ذكرى مكتملة وموجعة ومطهرة (ربما) وجروحاً، إلاّ باسترداد ما غادر أو بعضه.. أو آثاره.
كارثة. نعم! لماذا؟ (لانعرف). تاهيتي: كارثة؟ نعم! ما الاعذار. ما وراء الحكمة "العليا" او السفلى؟ ما الأسئلة التي علينا كبتها أو قمعها، ليكون لنا ان نعترف بالأرادات السامية. كارثة في بلاد الحروب والمآسي (لبنان) وبلدان اخرى اكثر تراجيدية بالجوع والديكتاتوريات والخوف والفقر والجوع. كوارث تجمع بين الارادات الانسانية الطاغية والارادات الالهية السامية فأين المفر؟
والغريب في مثل هذه الأحوال، ان "القتل" في الحروب والصراعات يُفرّق الناس ويقسمهم، والموت في مثل الكوارث الطبيعية يوحدهم ويجمعهم ويجعل من كل الدموع دمعة واحدة، ومن كل الموتى ميتاً واحداً، ومن كل المقابر مقبرة واحدة.
إنها المفارقات الانسانية بصورها المتناقضة.