الحريري يعيد الاعتبار للطابع المستقل للسياسة الخارجيّة اللبنانية
استراتيجية تجنيب لبنان مخاطر الحرب العدوانية
نجح رئيس الحكومة سعد الحريري، بإظهار الطابع المستقلّ للسياسة الخارجيّة اللبنانيّة، من خلال الحركة الديبلوماسيّة التي قام بها في الأسابيع الأخيرة، ومفترض أن يعطي ذلك زخماً قويّاً لحكومة الوحدة الوطنيّة ما يسهم في تقوية دعائم فاعليّتها الإجماليّة وتضامنها الداخليّ.
فمنطق "العبور إلى الدولة" هو منطق استعادة مجالات تعود، في أيّ دولة، لسيادة الدولة، ولم يكن للدولة اللبنانية من سيادة عليها. إنّه، بالدرجة الأولى، منطق استعادة المجالين الديبلوماسيّ والأمنيّ إليها.
والديبلوماسيّة اللبنانيّة كما ترسم زيارات الرئيس الحريري الأخيرة معالمها، هي ديبلوماسيّة معتدلة ومتفلّتة من صراعات المحاور الإقليميّة. ليست فقط ديبلوماسيّة "متكيّفة" مع مناخ المصالحات العربيّة، المحقَّق أو المنتظر منها، وإنّما هي ديبلوماسيّة "حيويّة" في إطار هذا المناخ، لكن على أساس تثبيت مكتسبات انتفاضة الاستقلال وثورة الأرز، فضلاً عن الضمانات القانونية التي منحها المجتمع الدوليّ للشعب اللبنانيّ.
والغاية من الانخراط اللبنانيّ في المسار التصالحيّ العربيّ يجب أن تكون الاستفادة من هذا المسار لبناء شبكة وقائيّة من شأنها حماية لبنان بوجه احتمالات ترجمة التهديدات الإسرائيلية المتصاعدة، وحمايته بشكل أشمل، من أي نشوب لحرب إقليميّة مدمّرة في المنطقة.
وهذا لا يتأمّن دون إدراك طبيعة ودقّة هذه المرحلة، حيث إن الاستقرار الاقليميّ النسبيّ منذ انتهاء حرب غزّة الأخيرة يبقى استقراراً غير مضمون، وحيث تقف المنطقة على برميل من البارود ليس صعباً إشعاله.
لأجل ذلك، فالأولويّة الآن لبناء "إستراتيجية تجنيب لبنان خطر الحرب الإسرائيليّة" أو تجنيبه أي انزلاق في حرب إقليميّة. هذه أولويّة داخليّة لكنّها أيضاً أولويّة في سياسة لبنان الخارجيّة.
كل عاصمة قرار غربيّة أو إقليميّة يمكنها المساهمة بحجم معيّن ودور معيّن في إنضاج هذه الإستراتيجية. كذلك الأمر بالنسبة إلى كل فريق في لبنان. لا بل نقول إن استراتيجية تجنيب لبنان خطر الحرب الإسرائيلية هي اليوم الشكل الذي يمكن أن يبحث من خلاله موضوع الإستراتيجية الدفاعية على طاولة الحوار.
وبشكل فطريّ للغاية يمكن القول إنّه كلما برزت معالم الدولة اللبنانيّة أكثر، سواء على المسرح العربي والشرق أوسطيّ أو على المسرح الدوليّ، كلّما كانت هذه الدولة قادرة على تجنيب أبنائها آتون الحرب المدمّرة، وكلّما كانت قادرة كذلك الأمر على إظهار صورة إسرائيل كدولة معادية يتفرّد بحكمها حالياً زمرة من أعداء السلام، في مقابل منظومة عربية ساعية على طريق المصالحات ومرتبطة بإجماع قوميّ على مبادرة السلام: هذه المبادرة التي تشكّل الإستراتيجية العربية الوحيدة لخوض الصراع مع اسرائيل حالياً.. فكل تشكيك بهذه الإستراتيجية يؤدّي عملياً لتغليب منطق إمعان إسرائيل في عدوانيتها، ومنطق المصادرة الإيرانية للصراع العربي الإسرائيليّ، وصولاً إمّا إلى سايكس بيكو اسرائيلي إيرانيّ يتوزّع مناطق النفوذ على الخارطة العربيّة، وإمّا إلى حرب إقليميّة اسرائيلية إيرانيّة على الأرض العربية، وإمّا إلى الأمرين معاً.. أحدهما قبل الآخر.
لكن السؤال يبقى: هل ثمّة جهوزية لدى كافة الأطراف في لبنان للانخراط في إستراتيجية تجنيب لبنان خطر حرب عدوانية إسرائيلية؟ أم أنّه سيجري التخليط بين هذه الإستراتيجية وسواها: مثلاً الخلط بينها وبين إستراتيجية "صمود لبنان" أمام الحرب العدوانية "متى اندلعت".. ثم الخلط بين هذه الأخيرة وبين إستراتيجية "إستباق لبنان" للحرب العدوانية الإسرائيلية "من خلال الاستئثار بعنصر المبادرة"؟
إن تجنيب لبنان خطر الحرب العدوانية الإسرائيلية هي إستراتيجية تقوم على السعي لدى المجتمع الدولي لإخطار عواصم القرار بأنّ ثمّة اتجاهات عدوانية اسرائيلية تتهدّد لبنان وتتجاوز القرار 1701 وأنّ لبنان المتمسّك بالسلام الإقليميّ وبالقرارات الدولية، كما بالسلام الأهليّ ونتائج انتخابات 2009، لا يريد أن يعاد تدمير أساسات عمرانه.
وهذه الإستراتيجية تستقيم وتكتمل من خلال بعد آخر: تجنيب لبنان تداعيات "سياسات الهروب إلى الأمام" الذي يبدو أنّ الحرس الثوريّ الإيرانيّ متجه إليها داخل بلاده وعلى امتداد الشرق الأوسط، والتي تعني لبنان بشكل أساسيّ.