شباط العام 2010 سيكون هذا العام مختلفاً جداً في إيران، فالأزمة تخنقها من الداخل وتستعدّ عاصفة العقوبات لتشد الخناق على العنق الإيراني مجدداً، ففيما يُكابر الرئيس الإيراني عن "مفاجآته السارّة" متمادياً في استفزاز العالم من حول إيران، وفي الأصابع التي تعبث بها إيران في المنطقة العربية مهدّدة أمنها واستقرارها الاستراتيجي، ستحتفل إيران في الحادي عشر من شهر شباط المقبل بذكرى انتصار ثورة الخميني في مثل هذا التاريخ قبل 31 عاماً، أما الاسم الرسمي الذي يحمله يوم 11 شباط فهو "يوم التعبير الشعبي للتضامن مع التوجهات السياسية العامة لقيادة الجمهورية الإسلامية والولاء لأفكار مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية الإمام الخميني".
وتزاحمت كل العناوين خلال الشهر الجاري، وبلغت ذروتها أمس مع تصريح "غير ديبلوماسي" وجهته وزيرة الخارجية الأميركيّة هيلاري كلينتون من باريس للصين رداً على معارضتها على فرض عقوبات جديدة على إيران… وكان كانون الثاني حافلاً بسقف التحديات العالي، الذي بدأ في 10/1/2010 مع إعلان وزير الاتصالات والعلوم الإيراني "رضا تقي بور" أن إيران ستطلق عدة أقمار صناعية بمناسبة ذكرى عشرة الفجر، ذكرى انتصار الثورة، ومنها أقمار «طلوع ومصباح اثنيْن ويا مهدي»، وهذا وحده كافٍ لخلق حال قلق في المنطقة التي يبدو أن في نيّة إيران إخضاعها للمراقبة الشاملة عبر أقمارها الصناعية.
التصعيد الثاني جاء في 25/1/2010 مع إعلان الرئيس الإيراني أحمدي نجاد أن إيران ستقوم بتخصيب اليورانيوم بنقاوة 20 في المائة عند إحياء الذكرى الـ31 للثورة التي أطاحت بالشاه في 1979، واعداً الإيرانيين بأنه سيزف إليهم قريبا أنباء سارة عن أحد الإنجازات العلمية..
ولم يتأخر الردّ الأميركي على ابتسامة نجاد السّاخرة من العالم، فكشّر له الرئيس الأميركي باراك أوباما في 28-1-2010 عن "أنياب" المواجهة معلناً أن إيران ستواجه عواقب وخيمة بسبب ملفها النووي، وأن المجتمع الدولي موحّد في مواجهتها، وأنّ طهران أصبحت أكثر عزلة.
وآخر "عناقيد" المواجهة، أطلقتها هيلاري كلينتون من باريس حيث تقوم بزيارة رسميّة، بادئة بالصين، وكانت موسكو قد سبقت في إعلان أسفها للرفض الإيراني، وكأنها ضمناً تؤكد أنها تسير في ركاب الموقف الدولي، فقد حذرت كلينتون الصين من أنها قد تواجه عزلة ديبلوماسية، وربما يتعرقل تدفق إمدادات الطاقة إليها إن هي استمرت في الوقوف ضد فرض مزيد من العقوبات على إيران، وهذا التهديد الرسميّ الأميركي المعلن للصين جاء في كلمة ألقتها كلينتون في مدرسة حربية بباريس، مؤكدة أن طموحات طهران النووية من شأنها زعزعة الاستقرار في منطقة الخليج، التي تعتبر شرياناً حيوياً لإمدادات النفط للصين.
وعندما تختصر الوزيرة كلينتون المشهد الدولي بقولها: "الآن ونحن نبتعد عن طريق الحوار الذي لم يؤدِ إلى النتائج التي كان البعض ينشدها، ونعمل على دفع مسار الضغوط والعقوبات، وستكون الصين تحت ضغوط قوية جداً للاعتراف بأن سلاحاً نوويا إيرانياً سيزعزع الاستقرار في الخليج".
هذه التصريحات الديبلوماسية الأميركيّة بعدما دعم مجلس الشيوخ الأميركي مشروع قانون يسمح للرئيس الأمريكي باراك أوباما بتشديد العقوبات ضد إيران، وستشمل هذه العقوبات كل من يصدر الوقود من إيران، ويهم هذا القرار الشركات غير الإيرانية التي تصدّر الوقود إلى إيران أو تساهم في تطوير قدراتها على تكرير النفط، أمّا العقوبات التي قد تواجهها الشركات المخالفة فهي حرمانها من حق الحصول على قروض أميركية أو مساعدات مالية.
في المقلب الإيراني المسيطر "مشهدان" لا مشهد واحد؛ الأول إبلاغ إيران للوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، إنها لا تستطيع قبول شروط الصفقة التي تعرضها الدول الغربية من أجل تجميد برنامجها النووي، أما الثاني فأشدّ اضطراباً ولا لغة ديبلوماسيّة فيه، فعندما تحتاج ذكرى رحيل حسين منتظري في طهران وأصفهان وفي مسقط رأسه نجف آباد ومدن أخرى إلى تشديد الإجراءات الأمنية، وعندما تنتشر قوى الأمن فوق أسطح حسينية أصفهان و المباني المجاورة، خشية أن تتحول مراسم الأربعين لمنتظري إلى احتجاجات على نتائج الانتخابات وعندما يُعلن قائد الشرطة في محافظة قم، أن الشرطة الإيرانية في مدينة الملالي أجرت يومي 25 و 26 من الشهر الجاري مناورات للسيطرة على المدينة، فالأمر يدعو للسخرية من الدولة التي تحاول إخافة العالم، وتخاف في الوقت نفسه من احتجاجات شعبها وتقمعه..
"الصين" سترضخ لقرار دول العالم. الطاقة، كلّ الحروب تخاض من أجلها، وهي السلاح نفسه الذي سيستخدم ضدّ إيران نفسها، الدولة التي تُسارع لإطلاق الأقمار الصناعية وإنتاج التكنولوجيا النووية، فيما هي تستورد "البنزين" لشعبها لأنها عاجزة عن تصنيعه مع أنها أحد أبرز مصدّري النفط بين دول العالم… فهل يُشعل البنزين الشارع الإيراني فيزيد من حرائق اضطراباته، بعود ثقاب العقوبات الآتية لا محالة في شباط المقبل؟!