خمسة أيام على الكارثة. لا جديد يذكر، لا تحت البحر ولا فوقه أو حتى على ضفافه، باستثناء المشهد التضامني الاستثنائي الذي يطفو على سطح الدولة اللبنانية بكامل أجهزتها ومؤسساتها، فـ"الكارثة" وحدت ربما للمرة الأولى لبنان من أقصاه إلى أقصاه تحت هول المصيبة، وأظهرت كل الدولة في صورة قلّ التقاطها، تعبّر عن وحدة لا يؤثر فيها خلاف من هنا أو من هناك.
ربما، كانت الطبيعة "غاضبة" مما يصنعه اللبنانيون ببلدهم من "كوارث" دون أن يكترثوا حتى، فكان ما صنعته بمثابة "إنذار"، ليته لم يكن كما كان، مغمساً بدماء مواطنين يهربون من كوارث "صنع في لبنان".
غير أنه، لم يكن في الإمكان أكثر مما كان، حلت الكارثة "الفاجعة"، وتلقفها لبنان بـ"صدمة"، جعلته يتحد، دولة وشعباً، في مصاب أليم أصاب كل الوطن. فلماذا لا تجمع إلا المصيبة؟
مذ شاع خبر سقوط الطائرة الإثيوبية صبيحة ذلك اليوم المشؤوم، حاولت الدولة اللبنانية أن تستدرك "عجزها" بما توافر من إمكانات. استنفرت قواها وأجهزتها العسكرية والأمنية والمدنية، وسارعت إلى المواجهة رغم أن "العين بصيرة واليد قصيرة"، فلبنان ليس معتاداً على مواجهة كوارث من هذا النوع، فكان طلب "النجدة التقنية" من الدول الصديقة، لانتشال الضحايا، والبحث عن ركام الطائرة وصندوقها الأسود، على أمل معرفة الحقيقة، والتخفيف من وقع الكارثة على البلد، وعلى الأهالي الذين ما زالوا ينتظرون أن يعيد لهم البحر أحبائهم، ليعودوا بهم إلى تراب الوطن، الذي اعتادوا مغادرته بحثاً عن لقمة العيش.
لبنان بكل ما فيه تحول إلى خلية نحل، رؤساء وضعوا احتياطاتهم الأمنية جانباً ووقفوا مع من فقد حبيب أو قريب أو صديق. وزراء تحمّلوا مسؤولياتهم في بلد تعود على "التقاعس" قاعدة للعمل في الشأن العام، أجهزة أمنية ومدنية توحدت بالرغم من كل التناقضات التي تفرق بينها في الكثير من الأحيان.
قامت الدولة بما تستطيع أن تقوم به، ومن كان ينتقدها غالباً أثنى على أدائها في مواجهة الكارثة، وأشاد بحضور رؤسائها ووزرائها وقياداتها العسكرية وأجهزتها المدنية. الجيش اللبناني منتشر على طول الشاطئ الممتد من حدود مدينة صيدا جنوباً وحدود البترون شمالاً، فالمعركة لم تكن يوماً من الأيام بالنسبة إلى هذه المؤسسة متوقفة على حمل السلاح لحماية الأرض.
الدفاع المدني مستنفر بكامل طاقاته، وفرق الغطس تبذل ما بوسعها، ولا أحد من أولئك الذين يعشقون المياه مستعد لأن يخرج من المكان الأحب على قلبه خالي الوفاض.
قوى الأمن على "سلاحها" لناحية الاستعداد لتقديم ما أمكن من "عون" عند الطلب، ومن أي جهة أتى هذا الطلب. مطار رفيق الحريري بما فيه من أجهزة مختصة تتابع لحظة بلحظة كل التطورات، وتدرس كل الاحتمالات التي تكون قد تسببت بوقوع الطائرة.
لجنة التحقيق المشتركة تبحث دورياً في المعلومات المتوافرة عن الطائرة، كما تم وضع خطة عمل موحدة للأيام المقبلة إن لجهة حفظ الأدلة (حطام وأمتعة) أو لجهة التحاليل المخبرية للحمض النووي أو التشريح بالنسبة لجثث طاقم الطائرة فقط، واتخذت اللجنة من المديرية العامة للطيران المدني مقراً لها.
التعاون لا يتوقف عند هذا الحد، حيث أن قيادة قوى الأمن الداخلي وفريق أمني أثيوبي ومسؤولين في شركة الطيران الإثيوبية، قرروا بعد اجتماعهم، إيفاد بعثة من المباحث العلمية في الشرطة القضائية إلى إثيوبيا، لاستخراج الحمض النووي والتعرف على الجثث في حال تم العثور عليها، فالإنسان هو هو، مهما تغيرت الهويات وتعددت الجنسيات.
لا نية لأحد بالاستسلام، والدليل على ذلك أن الجميع يرفض فكرة "تجميد" عمليات البحث بعد انقضاء مهلة الـ72 ساعة التي ينقطع من بعدها الأمل بوجود ناجين من الكارثة.
لبنان الرسمي، من بعبدا إلى السرايا مروراً بعين التينة عينه على البحر، وعلى جديد يمكن أن تحمله عمليات البحث، فرئيس الجمهورية ميشال سليمان يتابع لحظة بلحظة كل التطورات، ورئيس مجلس النواب نبيه بري تخطى موضوع الجلسة النيابية التي كان متحمساً لانعقادها، أما اليوم فلا شيء "يغريه" للذهاب إلى ساحة النجمة قبل سماع الخبر اليقين عن انتشال حطام الطائرة، فيما يتحرك رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري على الأرض، فيجتمع بالوزراء المعنيين وبكل من له علاقة بعملية البحث، ويؤكد أنه "ممنوع الخطأ من أي نوع كان. علينا كدولة لبنانية أن نضع كل إمكاناتنا بتصرف عملية انتشال الضحايا والمفقودين. وكذلك العمل على مساعدتهم لتجاوز هذه المأساة الكبرى".
وزراء الداخلية والأشغال والصحة لا يعرفون الراحة، اجتماعات هنا وهناك، وتواصل مع كل الأجهزة، كلّ ضمن المهمة المنوطة به. الوزير زياد بارود يتابع مع الأجهزة المعنية لاسيما الدفاع المدني والجيش اللبناني كل جديد، فيما ينكب الوزير غازي العريضي على رصد ما ترصده فرق البحث في عرض البحر والتعاون الذي يحصل مع الفرق البحرية التي أتت من الدول الصديقة للمساعدة، بينما الوزير محمد جواد خليفة يحمل همّ عائلات الضحايا والمفقودين وتسليم الجثث لذويها وأخذ العينات لاستكمل الفحوص النووية.
اغتبط الكثيرون عند شيوع خبر التقاط السفينة الأميركية "يو أس أس راميج" ذبذبات الصندوق الأسود وهو ما أكده سلاح الجو اللبناني الذي التقط بدوره الذبذبات، وتم تحديد منطقة مساحتها سبعة كيلومترات بسبعة كيلومترات على مسافة 14 كيلومتراً من الشاطئ بأعماق متفاوتة بين 100 و1500 متر، وهي المنطقة التي تجري فيها السفينة "اوشن اليرت" المسح الشامل الذي من شأنه ان يؤدي الى تحديد المكان بدقة.
ولكن هذا الاغتباط لم يطل طويلاً، لأن المكان الذي يقال أن حطام الطائرة متواجد فيه، يصعب على أي كان الوصول إليه وانتشاله، وبالتالي سيستعان بغواصات خاصة لسبر انحدار المكان وتشخيص واقع الحال.
المبكي، أنه حتى الجثث التي استطاعت فرق الانقاذ انتشالها، وزعت نفسها على مناطق مختلفة، فإذا كانت النبطية قد شيعت الضحية أحمد جابر، فإن طرابلس أيضاً احتضنت رفات ابنتها آنا محمد عبس للمرة الأخيرة. آنا وأحمد رقدا في تراب الوطن فيما عمق 1300 متر تحت البحر يقف حجر عثرة أمام وداع أخير ينتظره أهالي المفقودين.
بطبيعة الحال، لن تعود عقارب الساعة الى الوراء، وليس باستطاعة أحد أن يمنع حصول مأساة جديدة، إنما لا بد من استخلاص الدروس، والمبادرة وبسرعة الى وضع خطط وطنية لتفادي أي كوارث في المستقبل، وإنشاء "خلية أزمة" دائمة، تشكل بداية الطريق في مشوار تعزيز قدرات الدولة، وجعل الإنسان "أولوية"، قولاً وفعلاً.