هل ينسحب التضامن في مواجهة الكارثة على ملفات الخدمات ؟
الاختبار الجدي للحكومة في تغيير الأداء الجماعي والفردي
لاحظ مراقبون ان ابرز ما ركزت عليه المواقف السياسية الاسبوع الماضي على اثر سقوط الطائرة الاثيوبية كان الاشادة النيابية والوزارية بحجم التضامن وطبيعته بين كل الافرقاء على نحو غير معهود. وقد انطلقت الاشادات والثناءات في مختلف الاتجاهات على نحو اثار استغرابا شديدا، في حين انه بدا ان هذه الثناءات في غير محلها او سابقة لاوانها وربما تحتاج الى مراقبين آخرين للحكم عليها . وقد بدا لهؤلاء المراقبين أن هذا الدفاع الاستباقي هو بمثابة تعويض عن تضامن غير موجود حيال الملفات الاساسية التي تسيّر شؤون المواطنين، في حين ان حادث الطائرة هو كارثة انسانية ألمّت بلبنان والتعاطي معها واجب على على هذا الاساس. لكن البعض يقول ان الارتباك الذي اصاب المسؤولين من جراء كارثة غير متوقعة ارتسمت في آفاقها اسوأ الاحتمالات، ولو لم يقل المسؤولون ذلك وحرصوا على التأكد من عدم حصوله والتحذير من الوقوع في فخ الاشارة اليه، دفع الى الواجهة جملة امور كان لا بد منها للتغطية على الارتباك والخوف معاً.
وهذا الامر ليس سيئاً في خلاصته من وجهة نظر مبدئية. لكن حتى الآن فإن ما يشكل موضوع تجربة حقيقية هو مدى نجاح ما يسمى حكومة الوحدة الوطنية في تسيير شؤون البلد، وما يمكن مختلف الوزارات ان تحققه في ظل انتقادات كانت تطاول الاداء السابق الاحتكاري لبعض وزارات الخدمات وما الى ذلك، فهذا الجزء من المسألة هو موضوع لبناني بحت لا دخل للخارج فيه من حيث تأمين القدرة على معالجة الامور، اذ ان الاستقرار والهدوء اللذين ساهم في ارسائهما التوصل الى حكومة وحدة وطنية بتوافق سعودي سوري بما يعنيه ذلك من توافق على عناوين كبرى تتعلق بلبنان، لا يرتبطان بواقع الحكومة التي يتعين عليها ادارة شؤون المواطنين ويتعاطى معها الخارج على اساس انها الاداة التنفيذية في البلد.
وما تجري متابعته راهناً يندرج ضمن اطارين اذا صح التعبير، هما مراقبة العمل الحكومي كمجموعة وقدرة الحكومة على نقل البلد من مرحلة الى اخرى على رغم انها لا تزال في بداية انطلاقتها اي في فترة السماح المعهودة، ثم مراقبة العمل على المستوى الحكومي الفردي من جهة والجماعي من جهة اخرى بحيث ترصد من خلال اداء بعض الوزراء تطلعات الفريق او الحزب او التيار الذي ينتمي اليه هؤلاء مع الاخذ في الاعتبار تعهدات سمعها مراقبون كثر من الرئيس سعد الحريري نفسه ابان تأليف الحكومة حول نيته انجاز ملفات وايجاد حلول لبعض المشاكل على نحو نهائي ومنها على سبيل المثال اقفال موضوع المهجرين بتأمين الاموال اللازمة من اجل عودة المهجرين على نحو ينهي توظيف الموضوع او المزايدة فيه. والموضوع نفسه ينسحب على ايجاد حل لموضوع الكهرباء، علماً ان النجاح في هذا الملف سيعد انجازاً للرئيس الحريري وحكومته حتى لو كان الملف الوحيد الذي ينجز. وتجدر الاشارة الى ان التعثر في موضوع التعيينات الادارية والامنية ووالديبلوماسية سيترك اثراً سلبياً، شأنه شأن كل القضايا المطروحة امام الحكومة وهي كثيرة علماً ان التحرك في مجال محدد قد يساعد في تخفيف حجم الضغوط التي يمكن ان تشعر بها راهناً.
الا ان المسألة بالنسبة الى البعض تكمن في سؤال من شقين، احدهما يتصل بواقع هل ان حكومات الوحدة الوطنية التي يشترك فيها جميع الافرقاء السياسيين هي مجال اكبر للتعطيل منه الى التوافق وانجاز الاعمال، علماً ان هذا المنطق يختبئ وراءه كثر من أجل ايجاد تسويات لأزمات مماثلة لتلك التي شهدها لبنان على اساس ان ما يسمى حكومات الوحدة هي الاكثر فاعلية وربما تحمل حلولا لمشاكل معقدة تماماً، كما حصل بمحاولة اقناع طالبان في افغانستان بالمشاركة في الحكم على قواعد مماثلة كالتي اعتمدت في العراق. والسؤال الآخر يتصل بواقع التطلع الى معرفة ما اذا كان اللبنانيون يستطيعون انجاز امورهم بانفسهم متى كان الزعماء جميعهم مشاركين من حيث المبدأ في القرارات ام انهم سيعجزون عن ذلك بحيث يمكن القول ان هذه التجربة هي على المحك فعلاً. علماً ان مسؤولين كثراً يقللون اهمية ذلك، لاعتقادهم ان ما يهم الخارج هو الاستقرار والهدوء الامني فقط وليس اداء الحكومة على المستوى الداخلي او اداء الافرقاء السياسيين، بدليل السعي الى النموذج اللبناني، إذا صحّ التعبير، من أجل ضمان الاستقرار السياسي والأمني وليس أكثر من ذلك. الأمر الذي لا ينفيه المراقبون من حيث المبدأ لكن مع ايلاء الاداء الحكومي في موازاته اهمية كبيرة كونه المؤشر لطريقة التعاطي الخارجي واحتمالاته، وأحياناً ضرورة توافره كشرط لهذا التعاطي.