لا يكفي أن ننتظر وقوع المحن والكوارث، حتى نؤكد ان ما يجمع اللبنانيين ويوحد مشاعرهم، هي آلام الحزن والمآسي، والمعاناة المشتركة في الفواجع والمصائب، والتي كانت آخر فصولها فاجعة الطائرة الأثيوبية المنكوبة·
ورغم سمو روح الوحدة والتضامن، التي عممت مشاعر الحزن والحرقة على الضحايا والمفقودين، الذين اختصروا بطوائفهم ومناطقهم تركيبة النسيج اللبناني، إلا ان الوطن حاجة إلى صيغة جدية تعزز روابط المواطنية الواحدة بين أبناء البلد الواحد، وترفع منسوب الانتماء للوطن في ولاءات اللبنانيين، وتعيد للدولة، وهذا هو الأهم، قدرتها على استيعاب قدرات اللبنانيين وطموحاتهم في العيش الآمن والكريم، وفي العمل والانتاج لضمان مستقبل عائلاتهم في بلدهم، عوض البحث عن لقمة ا لعيش في مشارق الأرض ومغاربها ··وصولاً حتى مجاهل أفريقيا!
ونجاح الحكومة في تظهير صورة الدولة القادرة على التعامل مع الكوارث الطارئة في قضية الطائرة الأثيوبية، يؤكد حجم المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتق هذه الحكومة الائتلافية، في مواجهة الاستحقاقات الداهمة، وفي مقدمتها التعيينات والانتخابات البلدية، فضلاً عن التصدي للملفات الشائكة، والأزمات المزمنة بدءاً من تخفيض أعباء الدين العام وصولاً إلى تأمين الكهرباء وتحسين قطاع الاتصالات وتحديثه، واطلاق ورشة بناء السدود توفيراً للمياه وتوليداً للطاقة، إلى آخر بنود مشروع النهوض الشامل الذي كان يعمل على اعداده الرئيس الشهيد رفيق الحريري·
لا ندري إذا كان لقاء الرئيسين نبيه بري وسعد الحريري في <بيت الوسط> سيشكل الخطوة العملية الأولى لإعادة مسيرة التعاون بين المؤسسات الدستورية إلى طريقها الطبيعي والصحيح، أم هو مجرد لقاء سياسي عابر، على غرار اللقاءات السابقة التي لم تسمن ولم تغن من جوع،
ولكن مجرد العودة إلى اللقاءات الثنائية لإستعادة <ثقافة الحوار> والتشاور، ودفن مرحلة الخلافات والتناحر، من شأنه أن يساعد على إطلاق أجواء إيجابية على مسار العملية السياسية، التي ما زالت تتعثر في جلسات مجلس الوزراء، ومن شأن تلك الأجواء أن تمهد لزيادة نسبة التعاون والتفاهم على طاولة مجلس الوزراء، التي ما زالت أسيرة معارك الكرّ والفرّ وضحية الحسابات الفئوية والحزبية الضيقة والتي أدت إلى تعطيل <الانطلاقة الموعودة> لحكومة الوحدة الوطنية·
لقد أثبتت تجارب السنوات الصعبة، أن تسيير دفة الحكم يتطلب حواراً وبحثاً وتشاوراً بين الرؤساء الثلاثة، بما يمثلون من مرجعيات رسمية عليا لتنفيذ سياسة الدولة، وإزالة الصعوبات التي تعترض تنفيذ قرارات مجلس الوزراء المرجع الأول للسلطة التنفيذية، ولقوانين مجلس النواب صاحب السلطة التشريعية·
وبعيداً عن كل حساسيات <الدويكا> و<الترويكا>، فإن التعاون بين الرؤساء الثلاثة يعني عودة الروح إلى وحدة القرار في الدولة، دون أن يعني ذلك، ولا يجب أن يعني بأي شكل من الأشكال، تهميش القوى السياسية الفاعلة، أو اختصار صناعة القرار على <الترويكا> الرئاسية وحدها، لأن ذلك يشكل مخالفة لأبسط قواعد الدستور، وخروجاً عن روح التضامن والتعاون المنشودين!
إن حالة التسيب والإنحلال والشلل التي أصابت الدولة ومؤسساتها في سنوات الانقسام المؤلمة، تفرض على القوى السياسية تقديم تضحيات حقيقية، وبعيدة عن أية مزايدات انتخابية، أو أية حسابات حزبية أو طائفية ضيقة لتسهيل عودة النهوض بالدولة وإداراتها من جديد، وفي أسرع وقت ممكن، ولا سيما أن مواجهة التهديدات الإسرائيلية التي تدق أبوابنا صباحاً ومساءً تتطلب موقفاً وطنياً موحداً، وقراراً لبنانياً واحداً، فضلاً عن ان التصدي لأي عدوان إسرائيلي مفاجئ يحتاج الى تصليب الجبهة الداخلية، وتغليب روح التضامن الوطني، على كل ما عداها من اعتبارات أخرى·
لسنا بحاجة إلى كارثة جوية، ولا إلى فاجعة جديدة، ولا حتى إلى عدوان اسرائيلي آخر، حتى نكتشف ان مصيرنا واحد، وخلاصنا بوحدتنا، واستمرارنا كجماعات وكوطن وكدولة رهن قدرتنا على صيانة عيشنا المشترك، والتوصل إلى صيغ خلاّقة تعالج الهواجس، وتوفر الاطمئنان، وترسخ قواعد العدالة والمساواة بين أبناء الوطن، وتؤدي إلى فتح طريق الأمن والاستقرار ··· والازدهار!