عندما يكون التاريخ "14 شباط" فإن ذلك يعني بكل المقاييس، وعلى اساس كل المفاهيم، انه ليس مجرد "مناسبة وطنية"، بل انه محطة اساسية راسخة ومستعادة في تاريخ لبنان المعاصر وترسيخ سيادته وحريته واستقلاله.
واذا كان الرئيس نبيه بري يوافق النائب وليد جنبلاط على ان ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري هي "مناسبة وطنية جامعة"، فإن في الحيثيات السياسية المساقة والمفهومة لهذه "المناسبة" ما يتلاقى ضمناً، وطبق الاصل تقريبا، مع كثير من بنود البيان الذي اذيع في "لقاء البريستول".
فعندما يُطلق نفير التعبئة تحت تاريخ "14 شباط"، وهو يوم الشهادة والدم، بدلا من تاريخ 14 آذار، فان ذلك يعني تكريسا لمحطة في تاريخ الاستقلال اللبناني الذي يفترض ان نصنعه في كل يوم، وهي محطة كتبت بدم الشهادة والشهداء الذين تقدم قافلتهم المضيئة رفيق الحريري، وقد أُريد باغتياله ان يُغتال لبنان، ولكنه تماسك متكئا على فيض الدم وعاد ليقف ويبدأ مسيرة الالف ميل على طريق السيادة.
إن القراءة في بيان التعبئة الذي يرفع مظلة "14 شباط" تكشف في شكل واضح وصريح ومباشر ان ليس هناك بعد من يبحث عن "اصطفافات او انقسامات سابقة" يريد التمسك بها، بما "يناقض مسار المصالحة والتفاهم الوطني المجسد في حكومة الوحدة الوطنية"، كما يقول بيان "اللقاء الديموقراطي".
وإن هذه القراءة تكشف ان معظم ما قيل في البيان يأتي انطلاقا من الحرص على دوافع "وطنية جامعة"، حرصت ولو لم تفصح عل تجاوز منطق "الانقسام الآذاري" ثلاث مرات على الاقل، وهي:
❐ أولاً: رفع راية تاريخ "14 شباط" بدلا من "14 آذار" موعدا للحشد وتجديد العهد حيال "شخصية وطنية اعطت لبنان الكثير. فالشهيد الحريري هو شهيد كل لبنان"، كما يقول الرئيس بري، الذي اكد انه يحضّر بدوره لاقامة مهرجان في صور للمناسبة.
❐ ثانياً: تحت شعار "مستمرون" قدم "لقاء البريستول" خطابا اكد الرغبة في "طي كل الصفحات السود"، وهذا قد يمثل اسقاطا للاصطفافات لكنه يحتاج الى من يمد له اليد من الجهة الاخرى. واشار هذا الخطاب صراحة الى الرغبة في فتح صفحة الامل على مستقبل ينسجم مع هويتنا العربية وحلمنا اللبناني في مواجهة العدو الاسرائيلي.
ولا نظن ان هناك في لبنان من يعترض على الدعوة الواردة في البيان المذكور الى قيام الدولة المدنية وميثاق العيش المشترك وسلطة الدستور والقانون وقواعد النظام البرلماني الديموقراطي.
❐ ثالثاً: جمع البيان في اطار نبيل موحد لوحة الشهادة والشهداء مرسومة بدم رفيق الحريري ودماء شهداء المقاومة اللبنانية والوطنية والاسلامية، مرورا بكل الشهداء الآخرين، من كمال جنبلاط الى شهداء نهر البارد، ولا ننسى نحن تحديدا جبران تويني وسمير قصير، وهذا يعني رغبة واضحة في مد جسور تجمع وطنياً ولا تفرق.
ولأن دماء الذين استشهدوا ليكتبوا فصول صمود الوطن قد توحدت لتصنع ابجدية بقاء لبنان، كانت دعوة البيان الى توحيد انجاز التحرير مع انجاز الاستقلال الثاني.
❐ ❐ ❐
في اي حال، عندما يكون التاريخ "14 شباط" فإن ذلك لا يعني مجرد "مناسبة وطنية" بل روزنامة كاملة من الشهادات والدماء التي كتبت الاستقلال وما زالت وسط تهديدات العدو الاسرائيلي. والاحتشاد في "14 شباط" ليس احياء لعصف "الرياح الآذارية"، كما يريد البعض ان يوحي، بل تأكيد يتجدد سنويا لتمسك اللبنانيين ببلدهم وسيادتهم وارضهم، وهذا امر لا يختلف عليه اثنان، كما لا يختلف "آذاري" مع آذاري آخر على ان "14 شباط" أبجدية شهادات، لكنه ايضا كتاب سياسي بعض فصوله تحمل اسم "14 آذار".