يوم قال سعد رفيق الحريري إنه يفصل بين المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وعلاقات أفضل بين دولتي لبنان وسوريا، تهافت خصوم 14 آذار السياسيون الى تأويل موقفه بأنه تراجع.
ويوم أعلن سعد رفيق الحريري مدّ اليد للافرقاء السياسيين المواجهين لـ14 آذار لتشكيل حكومة وحدة وطنية توفّر الاستقرار للبنانيين جميعاً، سعى هؤلاء الى تصوير حرصه على الوطن وأبنائه وتجنيبهم قلقاً وجودياً يدمّر يومهم وغدهم، كأنه هزيمة له ولـ14 آذار.
ويوم ذهب رئيس حكومة لبنان سعد رفيق الحريري الى دمشق، واجتمع برئيس الجمهورية العربية السورية، سارع أولئك أنفسهم الى البحث في إهالة التراب على 14 آذار، واستعجلوا تقبّل التهاني بانتصار توهّموه.
لكن روما من فوق غيرها من تحت. وما رأى فيه الآخرون ضعفاً لم يكن سوى مؤشّر قوة لـ14 آذار، وعلى رأسها سعد الحريري: فلا مناص من علاقات جيّدة مع دمشق شرط أن تستند الى احترام متبادل. ولا مفرّ من نقل الخلاف والاختلاف من حلقات الزجل السياسي، المسلّح من طرف واحد أحياناً، في الشارع، الى طاولة مجلس الوزراء. ولا مهرب من أن تكون أولويّات الناس هي أولويّات الحكومة بعدما اهتز الوضع الاقتصادي والاستثماري في البلاد بإحتلال وسط العاصمة بالخيم، وتهجير مؤسسات مالية وسياحية منه، وفرض البطالة على مئات العاملين فيها. إضافة إلى ارتداد ذلك على ثقة رؤوس الأموال، المحلي منها والعربي والدولي، بلبنان.
ما أقدم عليه سعد الحريري، في كل المراحل، لم يكن سوى تنفيذ هادئ لمطالب 14 آذار، أثبت فيه أن الديبلوماسية تحقق أكثر مما تحقق المواجهة: فالاستقرار يخدم أهداف من يريد العبور إلى الدولة، بينما الفوضى تخدم من يسعى إلى البناء على ركامها، وليس بالضرورة أفضل، وعلى الأقل لن يكون له من الديموقراطية أي شبهة.
قد لا يكون تشكيل حكومة الحريري الابن الأولى وفّر حلاً جذرياً لنقاط الاختلاف السياسي، لكنه أعطى لبنان فترة هدوء وراحة، تساعد، ولا شك، على نموه الاقتصادي، وتتيح فرصاً للمواطنين، قبل المسؤولين، للتأمل في أوضاعه السياسية والاجتماعية، مما سيسفر حتماً عن انحسار الأزمة السياسية والتأجيج الطائفي والمذهبي، ولربما يتيح ظهور تيارات سياسية واجتماعية واقتصادية، أكثر اعتدالاً، تعرّي التطرف المغلَّف بشعارات تُبطن خلاف ما تظهر.
لم يخدم الاستقرار يوماً نزعات التطرف، ولم يجد التطرف يوماً أرضاً خصبة سوى في غياب الاستقرار: لا يزهر الأول ويسمق إلا في كنف الدولة، فيما الثاني لا يتسلل إلا من بين أنقاضها ليقيم عليها جمعه ومنطقه.
تحت سقف الدولة ينتفي القلق والخوف من الآتي، وينمو المجتمع المدني، ويتعزز الارتباط الوطني والتضامن الشعبي. وفي غيابه يترعرع التفكك، و"تخترع" العداوات الأهلية، وتستنبط الشروخ تحت غشاء مواثيق التفاهم والحمايات الأهلية.
وتحت سقف الدولة يتنامى الميل الشعبي إلى اللاعنف والحوار، ويُنبذ اللجوء إلى السلاح، ويصبح للناس، كل الناس، ما يخافون خسارته، وفي الطليعة الاستقرار والتنمية والتقدم، فيضعف معسكر قضم الدولة وتفكيكها، وتسقط مشاريع السلطات الطفيلية التي تسعى الى التغذي من ضعفها.
قد نجهّل من يقود أحد الاتجاهين، لكننا نثق بأن 14 آذار، قوى وجماهير، تريد العبور إلى الدولة والاستقرار، وهي الطرف الآخر، ولأن كل ذلك وجه هادئ وديموقراطي لمواجهة بين مشروعين سياسيين، يأخذ يوم 14 شباط هذا العام أهمية خاصة يستحق أن يحتشد له في ساحة الشهداء، في ظلال ضريح رفيق الحريري، شهيد الاستقلال الثاني الأول، أوسع فئات المجتمع اللبناني.
ربما لذلك أيضاً تتزايد الدعوات والادعاءات بضرورة تحويل ذكرى الاغتيال المشؤوم مناسبة تسمى وطنية إذا أُفرغت من مضمونها السياسي، كأنما الوطنية هنا تعني تسطيح المضامين وتفريغها من مدلولاتها.
لكن، أليس الخلاف في الأساس على مفهوم هذه الوطنية، بين استقلال واستتباع، وبين سيادة ووصاية؟
يأتي اللبنانيون إلى ساحة الشهداء يوم 14 شباط، هذه المرة، ككل مرة سبقت، ليؤكدوا أن مطلب الاستقلال والسيادة والعبور إلى الدولة ليس وحماً ولا وهماً.
ويأتون هذه المرة، ليقولوا، كما في كل مرة سابقة، إن رؤيتهم لغد وطنهم لن تغيرها، أو تغير فيها، محاولات تثبيط همتهم، وتبريد حماستهم، بتفسيرات من هنا وتراجعات من هناك.