رئيس الحكومة سعد الحريري، وفي زيارته الأخيرة للقاهرة، أجرت معه قناة (المصرية) مقابلةً مسهبة تطرقت فيها إلى كل الملفات والقضايا المطروحة، ورداً على سؤال عن اغتيال والده وكيفية تعاطيه مع القضية، أجاب:
(أنا إبن رفيق الحريري لا أقوم بتسوية على دمه ودماء الشهداء الباقينِ)، مَن لا يعرف الرئيس سعد الحريري قد يفاجئه هذا الكلام، لكن مَن يعرفه يُدرِك ان كلامه هذا يأتي انعكاساً لشخصيته الصادقة أولاً والحازمة ثانياً والشفافة ثالثاً وغير الموارِبة على الإطلاق. لم يَقُل يوماً شيئاً ثم قال عكسه، وأهمية كلامه لقناة (المصرية) نابع من ثلاثة اعتبارات:
الأوَّل انه يقوله وهو رئيس للحكومة على رغم ان الرهان كان قائماً على انه حين يُصبح رئيساً للحكومة فإن خطابه سيتغير.
الإعتبار الثاني انه يقوله بعد زيارته لسوريا، مما يعني ان مسار قضية الإغتيال في المحكمة الدولية غير مرتبط بمسار العلاقات بين لبنان وسوريا وقد قال الرئيس الحريري في المقابلة ذاتها:
(لقد تمَّ فتح صفحة جديدة، وأنا مقتنع بهذا)، أما الإعتبار الثالث فمرتبط بأن هذا الكلام يأتي عشية ذكرى الرابع عشر من شباط، وهنا (بيت القصيد).
* * *
كما ان اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري أحدث زلزالاً في الرابع عشر من شباط 2005، فإن ما حدث في 14 آذار شكَّل مفاعيل هذا الزلزال، فأصبح التاريخان متلازمين، فلولا 14 شباط لما كان 14 آذار، وحين تنطفئ 14 آذار فهذا يعني ان ذكرى 14 شباط لم تَعُد موجودة وان ملف الإغتيال دخل دائرة النسيان، ولكن بما انه غير ذلك، وبما ان الذكرى ما زالت متوقِّدة، إلى حين جلاء الحقيقة، فإن 14 آذار ما زالت قائمة حتى تحقيق كل الأهداف.
* * *
14 آذار ليست مجموعة نخبة تجلس حول طاولة وتتخذ قرارات ينفذها الناس، بل الناس يُنفَّذ لها ما تريد، فالذين جلسوا حول الطاولة في احدى قاعات البريستول يوم الأحد الفائت، لم يُصدروا إملاءات إلى الناس بل قرروا ما طالبوا به منذ خمسة أعوام وهو ما زال يلتزموه، وهو ان روح 14 آذار ما زالت في نفوس وعقول المليون الذين نزلوا إلى قلب بيروت تعبيراً عن أهداف سامية لم تخلقها عملية الإغتيال بل أججتها.
* * *
إن حركة 14 آذار ليست موجَّهة ضد أحد، ولأنها جامعة فكيف يتوجَّه المرء ضد نفسه؟
أما خطابها السياسي فسيكون من وحي (وثيقة البريستول) التي أملاها الناس على المجتمعين، وهو خطاب عقلاني لا مكان فيه للإنزلاقات الإنفعالية بل ترسيخ للثوابت التي لم يحد عنها أحدٌ وإن تبدَّل التعبير عنها.