الإحياء الجماهيري الإسلامي ـ المسيحي المستمر لذكرى 14 شباط حدث غير مسبوق في تاريخ البشرية
ثورة الاستقلال والاستقرار والمناصفة والذاكرة
لو عقدت قيادات الحركة الإستقلالية إجتماعاً قرّرت بموجبه العزوف عن الإحياء الجماهيريّ لذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري وإنتفاض الشعب اللبنانيّ الغاضب على "الوصاية" و"النظام الأمنيّ"، والإستعاضة عن ذلك بمناسبة ذات طابع نخبويّ، لكان قرار العزوف هذا قراراً غير شعبيّ ولاعترضت عليه جماهير "ثورة الأرز" بشكل أو بآخر.
معنى ذلك أن الإحياء الجماهيريّ لذكرى 14 شباط، هو في الأصل مطلب جماهيريّ. صحيح في ظاهر الأمر أن "القيادات" تتوجّه إلى "القواعد" بطلب المشاركة الواسعة النطاق في إحياء المناسبة. لكن، في العمق، ومن حيث المضمون، فإنّ "القيادات" تنصت بذلك إلى مطلب جماهيريّ، وتسعى لتحقيقه واقعاً، بأعلى درجة ممكنة من النجاح السياسيّ والتعبويّ.
إنّ ظاهرة الإحياء الجماهيريّ السياسيّ لذكرى 14 شباط في كل عام، على أساس مبدأ وحدة وإستمرارية الحركة الإستقلالية، هي ظاهرة إستثنائية في هذا الشرق العربيّ. ونظراً للطابع الإسلاميّ المسيحيّ لهذا الإحياء الجماهيريّ السياسيّ، فإنّها ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ البشريّة. لا، لم يسبق في تاريخ البشريّة، أن اجتمع كل هذا الكم من المسلمين والمسيحيين في ساحة واحدة، لست مرّات متتالية: في ذكرى مرور شهر على استشهاد الرئيس رفيق الحريري يوم 14 آذار 2005، ثم في ذكرى مرور عام، كل عام، ابتداء منذ 14 شباط 2006 وإلى اليوم. لا داعي كي يرهق المؤرّخون أنفسهم. إنّهم لن يجدوا ظاهرة تقارن بهذه في تاريخ البشرية. متى احتشد أبناء ديانتين سماويتين في تظاهرة مليونيّة بهذا الشكل المثابر؟ لقد تكلّم بيان "لقاء البريستول" عن الأهميّة العربيّة لهذا الإحياء الجماهيريّ، لكنّه ربّما نسي أن يضيف أهميّته التاريخيّة الكونيّة هذه. والمفارقة الكبرى أنّ هذه الظاهرة انطلقت في البلد الذي انشطر في بداية حربه الأهلية بين المسلمين والمسيحيين، والذي امتدّت حربه الاهلية أعواماً مديدة، والذي عملت الوصاية السورية ونظامها الأمنيّ على التفرقة بين أبنائه مسلمين ومسيحيين.
لقد نحت المفكّر اللبناني كمال يوسف الحاج مصطلح "النصلامية" للتعبير عن تلك الهوية اللبنانية الجامعة للمسلمين والمسيحيين في بوتقة واحدة. إنّ هذه "النصلاميّة" التي هي علّة وجود لبنان، ورسالته طبقاً لتشخيص البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، لم تظهر بهذا الشكل الواسع، وغير المسبوق، والمتجدّد، بالشكل الذي تتبدّى فيه، يوم 14 شباط من كل عام، وفي ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري. والحق أنّ ظاهرة الإحياء الجماهيريّ الإسلاميّ المسيحيّ ليوم 14 شباط هي ظاهرة لم تدرس بعد بالشكل الواجب لاهوتيّاً وأخلاقياً وأنثربولوجياً وثقافياً وإجتماعيّاً، في حين هي تستدعي كل هذه الدراسة المعمّقة. وأين هذه الدراسة المعمٌقة المنشودة لهذا الحدث التاريخيّ العالميّ من تلك التشنيعات السخيفة التي يسترسل فيها البعض عندما تحرفهم غشاواتهم الأيديولوجيّة عن المثول أمام تلك الظاهرة؟
وفي الوقت نفسه، الذي تكشف هذه الظاهرة عن استثنائيتها القصوى، تاريخياً وعالمياً، فإنّها تكشف عن "النزوع" إلى "تطبيع الكائن اللبنانيّ مع نفسه". فما أرادته "إنتفاضة الإستقلال" ثم "ثورة الأرز" لم يكن بناء مجتمع ليس ما يماثله، ولا دولة ليس ما يشابهها، وإنّما كانت الإرادة المحرّكة للحراك الإستقلاليّ هي إرادة الكون مثل الآخرين: دولة ولو في الحدّ الأدنى، دولة مثل الجميع، لها سياسة خارجية مثل الجميع، وسياسة دفاعية مثل الجميع.
لقد نشأت الحركة الإستقلالية على هذين الأساسين. فمن جهة تدرك إستثنائية التجربة اللبنانية الإسلامية المسيحية فتصوغها بشكل وحدة جماهيرية اسلامية مسيحية متجدّدة. ومن جهة أخرى تناضل كي يكون للبنان دولة مثل الجميع، دولة عادية، من دون عقد نقص ولا مركّب قوّة زائد، فلا تخوض حرباً بالنيابة عن الآخرين، ولا تسمح للآخرين بخوض حرب على أرضها، وتشارك في إجماع أسرة الدول العربيّة، سواء جنح هذا الإجماع حرباً أو سلماً، وتنتمي.
هذا الجمع بين "الفريد للغاية" (النضال الإسلامي المسيحيّ المشترك) وبين "النزوع إلى ما هو عاديّ للغاية" (دولة لها ما لغيرها وعليها ما على غيرها) هو الذي يشكّل "النصل الثوريّ" للحركة الإستقلاليّة.
فثوريّة هذه الحركة ليست في "الوسائل" التي تنتهجها لبلوغ غاياتها، ولا حتى في "الأهداف" التي يطرحها برنامجها. إنّما تنبع ثوريّة الحركة الإستقلالية من وجودها نفسه. وجودها بحدّ ذاته له مضامين ثوريّة تاريخيّة، في مرحلة محكومة بتصادم الحضارات، شئنا أم أبينا، وبفشل عمليّات زرع الديموقراطية في الشرق الأوسط، وبإرتفاع حدّة أزمة الديموقراطيّة في مجتمعات الغرب المتقدّم.
وهي ثوريّة لأنّ إستمرار وجودها ينبني على معادلة رباعية: وجوب المزاوجة بين "الإستقلال" (المعبّر عنه دولياً في القرارين 1559 و1680) و"الإستقرار" (المعبّر عنه دوليّاً في القرار 1701، وإقتصادياً بباريس 3) و"المناصفة" (المكرّسة تاريخيّاً باتفاق الطائف والإرشاد الرسوليّ) و"الذاكرة" (التي يعبّر عنها مطلب "الحقيقة"، حقيقة من قتل رفيق الحريري وشهداء الإستقلال الآخرين).
إنّها ثورة الإستقلال والإستقرار والمناصفة والذاكرة.
وإنّه شعب ثورة الإستقلال والإستقرار والمناصفة والذاكرة.
فشعب 14 آذار لا يفصل عندما ينادي بالإستقلال بتوقه إلى الإستقرار وهو يؤمن بالمناصفة ويدافع عن حقّه في أن تكون له ذاكرة، في أن يكون له تاريخ.
وهذا الشعب لم ينتصر لـ"قوى 14 آذار" في الإنتخابات النيابية كي تفجّر هذه القوى حرباً أهليّة ثوريّة طويلة الأمد، وإنّما كي تتمكّن هذه القوى، من موقعها كأكثريّة، من الموازنة بين معاني الإستقلال والإستقرار والمناصفة والذاكرة، التي هي معان حيّة في كامل نسيج الحركة الإستقلالية.
وكما أن المسألة لا تطرح أبداً من زاوية "هل تنزل الجماهير أم لا؟" لأنّ الإحتشاد هو بالأساس مطلب جماهير ثورة الأرز نفسها، فإن المسألة لا تطرح أبداً من زاوية "تقبّل الجماهير لسياسة الإعتدال المتبعة حالياً"، لأنّ هذه الجماهير لم تقترع من أجل حرب أهليّة ثوريّة، بل من أجل تجنيب لبنان سواء بسواء، إنتصارات المشروع الهيمنيّ الفئويّ الشموليّ المسلّح، والإنزلاقات إلى حرب إقليميّة، وإستشعاراً منها، لأن تقوية عناصر الإستقرار شيئاً بعد شيء، من شأنه خلق توازن آخر في اللعبة الداخلية، توازن يفكّك شيئاً فشيئاً معادلات المشروع الهيمنيّ الفئويّ الشموليّ المسلّح.