#adsense

14 شباط في البعد الوطني

حجم الخط

"قل للمقيم على ذله هجيناً يسخر أو يلجم
تقحم لعنت أزيز الرصاص وجرب من الأمر ما يقسم"
أحمد مهدي الجواهري

العنف الشمولي:

من الأساطير المعروفة التي كان يشيعها النظام النازي هي حتمية انتصاره، وفي النهاية سيطرته على العالم لأنه، حسب اقتناع قائده، ينطلق أساساً على عقائد ثابتة وراسخة في عقول المحازبين لدرجة أنها أصبحت جزءاً من القناعات العامة الشعبية لدى الشعب الألماني، وهي عقائد غير قابلة للنقاش أو حتى الحوار في سبيل تطويرها لأن هذا التوجه كان قد يؤدي الى التشكيك بها. كل هذا على أساس أن هذا النظام هو الذي يحمل "الحقيقة" الثابتة التي تشكل المخزون "الأخلاقي" للشعب الألماني، والدافع الاساسي له لامتلاك وسائل القوة والتفوق والقدرة على استعمال أقصى أنواع الإكراه والعنف. فقد اعتبر هتلر أن العالم الآخر، غير النازي من ليبرالي او ديموقراطي وحتى شيوعي، لا يمتلك الدافع "الأخلاقي" للصمود أو مواجهة العنف المطلق الذي يحمله نظامه الشمولي. بالمحصلة، ورغم كل المآسي والقسوة والإجرام مما استعمله النازيون فقد تمكن العالم الحر من هزيمته بشكل ساحق تحت شعار هو أهم الدوافع الإنسانية رسوخاً ألا وهو الحرية والقرار الحر.

قوة الحرية:

"لن يفرقني عن 14 آذار إلا الموت". بهذه الكلمات اختصر سعد رفيق الحريري التزامه انتفاضة الاستقلال بعد خمس سنوات من اغتيال حلم 14 آذار رفيق الحريري. فهذه الانتفاضة التي وحّدت لأول مرة مسلمي ومسيحيي لبنان تحت خيمة واحدة هي خيمة البلد الذي لا يخجل منه أبناؤه، هي كانت الحلم الذي حمله رفيق الحريري في حياته، وأدى سعيه إليه الى استشهاده.

والتزام سعد الحريري هو لأنه يعلم أن الصمود الذي تحقق على مدى السنوات الماضية لم يكن ليجدي لولا التضحيات الكبرى التي بذلها الاستقلاليون الى حد الشهادة.

ولكن القضايا الكبرى لا يمكن خوض غمارها بمنطق المسار المستقيم والمتصاعد دائماً، فهذا مسار نضالي قد يحمل مع الانتصارات النكسات أو التراجعات المرحلية، ولكن الأهم هو الصمود في كل مرحلة والصبر الى حين تأكيد الانتصار الكامل.

على هذا الأساس، فمع التأكيد على الدور الكبير الذي لعبه الرئيس فؤاد السنيورة وحكومته في مرحلة الصمود الطويلة التي امتدت منذ سنة 2005، لا يمكن اعتبار ما يقوم به الرئيس سعد الحريري انقلاباً على عهد سلفه، بل هو نتيجة منطقية لمرحلة الصمود التي أدت الى ربح الانتخابات النيابية مع الأخذ في الاعتبار المعطيات والحقائق المحلية والإقليمية وبالتأكيد الدولية. وقد أصبح واضحاً أن السياسة التي يتّبعها الرئيس الحريري هي تأمين أقصى درجة من الاستقرار المحلي لتجنب الحروب العبثية السياسية منها وغير السياسية، ومحاولة تأمين شبكة من الضمانات الإقليمية التي تمثلت بزيارة سوريا والسعودية وتركيا ومصر وأخرى دولية من خلال زيارة فرنسا والعلاقات الوثيقة مع الدول الأخرى.

وسياسة التهدئة المحلية والإقليمية هي جزء لا يتجزأ من منطق 14 آذار وهي حركة سياسية وشعبية غير مسلحة، وبالتالي فإن ساحتها هي خارج ساحات الحرب وإن كانت قد أظهرت قدرتها على الصمود في وجه كل الحملات المسلحة التي اعتادتها على مدى السنوات الماضية. ولكن قوة هذه الحركة تصبح مضاعفة في المجال السياسي والديموقراطي في حين أن الطرف الآخر يسعى الى التوتير الدائم وإلى إباحة استعمال العنف.

ومع هذا كله فقد تواجه هذه الحركة بمقالات عقائدية وتخوينية وعنترية في محاولات لاستدراجها في الصراع المفتوح الذي تذكيه الغرائز الطائفية والمذهبية، وذلك لحاجة الطرف الآخر الى التمترس ضمن جمهوره لعجزه عن صياغة خطاب وطني جامع، ولفشله في الانتصار في أي من المواجهات الديموقراطية حتى الآن، او من خلال اتباع سياسة الإنماء أو الوعد بالإنماء، وما يريحه فعلاً هو جو الثورة المستمرة الذي يعطيه القدرة على استعمال العنف.

الطارئ الإقليمي:

من نافل القول إن حدوث طارئ إقليمي قد يطيح كل ما تحاول حكومة الرئيس الحريري تحقيقه من استقرار، وقد تطير كل منجزات الوحدة والتضامن بلحظات ولكن هذا لا يبرر الاستكانة أو استعمال سياسة الانتظار السلبي أو سياسة الصراع الدائم من قبل قوى 14 آذار. ولكن في الوقت نفسه لا يجب الاستكانة والتسليم والانسياق نحو مقولة "كلنا أحباب" و"متفقون"، بل يجب التأكيد على استمرار الخلاف على الكثير من المواضيع الأساسية في بنية الدولة وموقعها الإقليمي، والأهم على مسألة السلاح. كما أن بروز إمكانية اعتداء إسرائيلي على لبنان، وضرورة الوحدة الداخلية لمواجهته، لا تعني أبداً التسليم بوجود السلاح خارج سلطة الدولة، بل على العكس، فإن وحدة هذا السلاح تحت قيادة الدولة، وحريته من الارتباطات الإقليمية، وبالأخص الإيرانية، هي الوسيلة الفضلى لإقامة توازن حقيقي مع العدو خاصة بعد سقوط مقولة حماية الدولة ومؤسساتها في حرب تموز 2006 في حال كان سلاح المقاومة مستقلاً.

البعد الوطني لـ14 شباط:

مع قناعتنا بأن بُعد 14 شباط هو وطني بامتياز، ولكن على الخلفية التي بنتها الحركة الاستقلالية وعلى أساس المعاني السياسية التي جسّدها اغتيال رفيق الحريري في الوقت الذي كان يستعد لخوض معركة الاستقلال الثاني من خلال البرلمان.

لذلك، فلا يمكن ضمن المعطيات الحالية وصفها بأنها مناسبة جامعة لكل اللبنانيين لأن جزءاً منهم لا يزال مرتبطاً بذكرى 8 آذار وخلفياتها. لذلك فمن المهم عدم تفريغ المناسبة من المحتوى السياسي حتى لا تصبح تقليداً فولكلورياً ليس إلا. كما أن الإصرار على شعبية هذه المناسبة هو لأنها في مكان ما تحمل شكلاً من أشكال الإصطفاف حول مبادئ 14 آذار.

لذلك، فإن النزول الى ساحة الشهداء في 14 شباط هو ضرورة لتأمين الدعم الشعبي للصمود السياسي في مواجهة محاولات تغيير وجه لبنان، أو رميه مجدداً، وبشكل كامل، في حضن من يريد استخدامه كورقة للمساومة، أو كساحة لاستقبال الصواريخ أو إطلاقها، في حين تبقى ساحة المساومين آمنة ومؤسساته ومنشآته بعيدة من الأذى.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل