#adsense

ذكرى رفيق الحريري مدخل الى التسوية الجامعة

حجم الخط

مرة أخرى، ستكون بيروت على عهدها، وفيّة لرفيق الحريري الذي فداها بالدم، كما كان لبنان وفياً لرفيق الحريري على توالي سنوات خمس مرّت على جريمة 14 شباط الإرهابية.

14 شباط، ذلك التاريخ الذي لم يمض، ولا ينبغي له أن يفعل، ليس محطة للذكرى فحسب. هو لحظة تحول تاريخي في لبنان، انبنى على غضبة ما بعد الاغتيال /الجريمة رفضاً لتمادي الغدر والتسلط، وفرض تحولات وتحديات لا تُستنفد، وهو إلى ذلك، لحظة تحقق مصالحة وطنية كبرى بعد الانتهاء "النظري" للحرب الأهلية، وهو أيضاً، فاتحة منطقية لتحولات تأسيسية على صعيد الاجتماع اللبناني نحو إعادة تأسيس الكيان المستقل وبناء الدولة المهزوزة، وهو قبل ذلك وبعده، اليوم في ظل قيادة وريثه السياسي الرئيس سعد الحريري، مدخل للتسوية الوطنية الجامعة. ألم يكن رفيق الحريري في السياسة رجل الاعتدال والتسويات لأن مزاجه الأخلاقي والديني كان كذلك، ولأنه كان يدرك في أعماق الوعي واللاوعي ان السياسة بمعناها الأشمل والأرحب يجب ان تكون تراكماً للتسويات وقرارات الاعتدال.

بهذا المعنى، وقبل الحديث عن ضرورة الابقاء على هذه الدينامية مستمرة في النفوس والعقول والقلوب، يمكن القول ان يوم 14 شباط 2005، بكل أبعاده ودلالاته شكّل لحظة تأسيس مشترك للبنان الغد. وفي إحياء هذا اليوم استمرار للمعاني التي أطلقتها الجريمة الارهابية. وقبل ذلك لإعادة التذكير بالرؤية الوطنية الجامعة للرئيس رفيق الحريري.

كان رفيق الحريري رجل الإعمار بمقدار ما كان رجل دولة، ورجل قضية وطنية، وقد اكتشف اللبنانيون بعد تلك الظهيرة الحزينة، أن مشروعه، لم يكن لترميم ما تهدم من بناء واقتصاد فحسب، بل كان في جوهره ومراميه البعيدة لترميم الذات اللبنانية، وأن رجل الحسابات السياسية والإنمائية الدقيقة كان، قبل ذلك وبعده، رجل الاعتبارات الأخلاقية الثابتة.

ليس مبالغة أن رفيق الحريري باستشهاده وحّد اللبنانيين، مسقطاً تلك النظرية/المراهنة على استحالة ان يجتمعوا على أمر، يوم خرجت بيروت المفجوعة ومعها كل لبنان، في تظاهرات مليونية، تكررت مرات عدة، ليبرهن اللبنانيون عن مستوى عال من النضج والمناعة، بل إن حركة المجتمع كانت في مستوى أعلى من النظام الذي بدا أنه أقل مناعة، وبدا أنه يترنح في وقت يراد له أن يدخل في مرحلة جديدة ليست بالضرورة منسجمة مع متطلبات اتفاق الطائف، ولا متفقة مع روح التسوية والرغبة بالحلول السياسية. وربما كان اغتيال الشهيد الرئيس خطوة في هذا الاتجاه.

وإلى وطنيته التي ارتبطت بعروبته ارتباطاً متلازماً ربما أوصله إلى ذلك المصير التراجيدي قرب بحر بيروت. كانت رؤية رفيق الحريري المدنية مرتبطة برؤيته السياسية، وتطلعه إلى الإسهام في صنع مستقبل عربي مختلف، بقوة العمل وقوة النموذج، وصبر المدرك لحجم المخاطر. وهو رأي الدولة ـ الأمة، لا بوصفها معطى ناجزاً كما يزعم القوميون الثوريون، بل بصفتها مشروعاً لبناء لبنان الوطن، فـ "كل" العروبة عنده ضروري للتنسيق بين "الجزء والجزء"، و"الجزء والكل"، ونزعته الاستقلالية هذه هو مدين بها اولاً لوطنية اللبناني المؤمن بوطنه العربي وقيمه وبكل ما فاجأ به شعب لبنان نفسه وغيره من قدرة على التفتح والاستيعاب والتجنّد بلا تحفظ لخدمة وطنه وأمته.

لقد احتل الرئيس الشهيد موقعاً في تاريخ السياسة والزعامة العربيتين يرقى الى مراجعة نوعية لما هو مألوف في هذا السياق. ذلك أن الوطنية كما تجسّدت فيه تنتمي إلى مدرسة سياسية متقدمة، ترى في العمل السياسي جزءاً يُتوّج ما يمر به المجتمع، فتتسع رقعتها من غير أن تسدد انقلاباً الى الداخل الاجتماعي، ومن دون أن تحلّ، بوصفها "قضية مقدسة"، محل البشر وشروط حياتهم، قبل أن يقحم المنطق العسكريتاري والاستبدادي، ولاحقاً المليشياوي، منطقه على الاجتماع السياسي العربي الحديث، وبالآليات المعروفة إياها.

إذاً، بالسلم ارتبطت سياسة الحريري الأب. وهو لم يطأ السياسة إلا مع اتفاق الطائف وليس عن زعامة الميليشيا، ذاك أن البراغماتي فيه غلب الأيديولوجي، وأكثر من ذلك سعى الى إعمار ما دمره المتقاتلون، وسعى لبناء اقتصاد كان هؤلاء قد أطاحوا به.

ألم يكن اتفاق الطائف تجديداً للإجماع اللبناني والعربي حول لبنان، ونتيجة مثمرة لجهد كبير أعاد السلم الداخلي، ونظّم العلاقة بين السلطات من أجل التطوير والإصلاح وبناء الدولة العصرية، وحفظ الانتماء العربي للبنان، وقد عبّر الرئيس الشهيد ذات مرة عن هذا الفهم للطائف، الذي شارك في صنعه من موقع متقدم، فقال في خطاب الجامعة الأميركية الشهير في 13 تموز 1992، قبل أشهر من توليه رئاسة الحكومة للمرة الأولى "إن الطائف حصيلة تلاقي إرادات لبنانية وعربية ودولية، والمطلوب اليوم تطبيقه لمصلحة سائر الجهات والوظائف، الإعمار الداخلي والنهوض عن طريق مشاركة جميع اللبنانيين، وإقامة حكومة الوحدة الوطنية، وإعادة لبنان ـ الدولة الى الساحتين العربية والعالمية".. ثم لما تولى الحكم شعر بأن لهذا المشروع خصومه من أطراف الحرب الداخليين ومن المستفيدين من غير هؤلاء الذين عملوا جميعاً على عرقلة تطبيق الطائف!. من قال إن في لبنان موالاة ومعارضة بمعنى الاستقطاب حول برامج تتشكّل من قضايا يتم الالتزام بها. هنا في هذاالبلد، لطالما كانت شبكة من العلاقات المتموجة، تتغير التحالفات بين حين وآخر وفي مد وجزر دائمين، وكأن في الأمر تقسيم عمل أو توزيع مهام كي يقوم كل فريق بما هو مطلوب منه.

لا جدال في أن التيار الاستقلالي، بعد خمس سنوات، يقف عند مفترق طرق تاريخي، يستشعره جمهور عريض في الداخل والخارج، بما يستدعي المبادرة سريعاً إلى العودة إلى مشروع رفيق الحريري الوطني والسياسي، بما يلحظ هموم الناس وقضاياهم، إذ إن المرحلة الراهنة وحساسية الاستحقاقات المقبلة تفرض مراجعة سياسية بعيدة عن الخطاب الشعبوي أو العشوائي، وتقتضي وقف الاكتفاء بمكتسبات الماضي، والاستعاضة عن كل ذلك بالاستعداد المدروس والشفاف والموحد لاستحقاقات المستقبل بعيداً عن الحسابات المصلحية الضيقة. وما يزيد في الأمر أهمية ومسؤولية، على وريث الرئيس الشهيد تحديداً، أن أمزجة الغالبية الساحقة من اللبنانيين، معه، وهي ستؤكد ذلك يوم الوفاء في 14 شباط في ساحة الشهداء.

لماذا التذكر؟
هو، للتأكيد على التمسك بالمشروع والرؤية للشهيد الكبير، والتشديد على الزعامة والقيادة للوريث، تحت عناوين التمسك بالطائف وحماية الاعتدال وصون الوحدة الوطنية والايمان بلبنان الدولة ولبنان النظام واعتماد الوسائل الديموقراطية للاصلاح والتنمية والتفاعل مع العالم والمحيط.
أما من كان في غيابه، كما حضوره، عصيّاً على الزوال، فباقٍ. باقيٍ في القلوب والنفوس، في الأرض والمدن والساحات، في القناطر والهضاب والأرياف، في نسمة الصيف وضوء القمر، كنهر الحياة الدافق بالحضور والسنى.. وما لأحد أن يغير مجراه..

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل