لأن سوريا لم تلتزم وقف تزويد "حزب الله" السلاح
إسرائيل تعود إلى الملف الفلسطيني بعروض جديدة
في معلومات لمرجع رسمي مطلع على نتائج الجولة الأخيرة للمبعوث الأميركي الخاص الى الشرق الأوسط جورج ميتشل، أن اسرائيل التي تشعر بالخطر على أمنها وحتى على وجودها إذا ما فتحت كل الجبهات ضدها، باتت مستعدة لأن تعقد اتفاق سلام مع أي جهة تستطيع أن تجعل حدودها آمنة وغير معرضة من حين الى آخر للاضطراب. وتحقيقاً لهذه الغاية، فإنها على استعداد لأن تقايض الأرض بالأمن ومن ثم بالسلام.
وتفيد هذه المعلومات ان اسرائيل أبلغت الى المبعوث الأميركي أنها ترفض الانسحاب من شبر واحد من الاراضي التي تحتلها ما لم تحصل في المقابل على ما يضمن لها الأمن، إذ لا معنى للسلام إذا لم يتحقق الأمن الثابت والدائم في المنطقة، ولا معنى لهذا السلام إذا وافق عليه طرف ولم يوافق عليه طرف آخر معروف بتشدده وبطلب الحصول على المزيد.
ويقول مسؤولون اسرائيليون في معرض البحث في لقاءاتهم وميتشل في مفاوضات السلام انه ينبغي أن تسبقها ضمانات تحفظ الأمن داخل حدود كل دولة في المنطقة. فالقوات الاسرائيلية انسحبت من الجنوب اللبناني تنفيذاً للقرار 425 ومع ذلك لم تحصل اسرائيل لا على الأمن ولا على السلام مع لبنان، وانهم غير مستعدين للانسحاب من بقية الاراضي المحتلة أي مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وحتى من الجزء اللبناني في قرية الغجر ما لم تحصل على الأمن الثابت والدائم على حدودها مع لبنان. وقد تبيّن لهم أن الحكومة اللبنانية غير قادرة على ذلك، لأن "حزب الله" هو الذي يتحكم بالقرار السياسي والأمني في لبنان، وأن قياديين في هذا الحزب أعلنوا غير مرة ان سلاح الحزب باقٍ حتى لو انسحبت اسرائيل من بقية الاراضي اللبنانية المحتلة، لأن هذا السلاح له في نظرهم دور إقليمي يتصل بمشكلات المنطقة كلها ولاسيما بايران وبالقضية الفلسطينية.
لذلك لم تسع اسرائيل الى تحريك المفاوضات على المسار اللبناني مع انه هو المسار الأسهل والأقرب للوصول به الى اتفاق، ليس لتوقيع سلام بين الدولتين بل القبول بالعودة الى اتفاق الهدنة المعقود بينهما عام 1949 لأن الحكومة اللبنانية بوضعها الراهن وفي ظل وجود سلاح "حزب الله" لا تستطيع ضمان حماية هذا الاتفاق من خروق قد يقوم بها هذا الحزب أو أي مجموعة مسلحة لا تخضع لسلطة الدولة اللبنانية. وهو ما حصل مع اتفاق الهدنة عندما عجز لبنان الرسمي عن حمايته من العمليات الفدائية التي كانت تقوم بها التنظيمات الفلسطينية المسلحة والتي كانت سبباً لإقدام اسرائيل على اجتياح الجنوب اللبناني غير مرة وبلوغ العاصمة بيروت الى أن دخلت القوات السورية لبنان لوقف الاقتتال الداخلي فيه وأخرجت المسلحين الفلسطينيين منه الى تونس.
واذا كانت اسرائيل لم تتوصل الى اتفاق مع سوريا بوساطة تركية، فليس لأن الخلاف كان على حدود الانسحاب من الجولان، انما على وقف مد "حزب الله" بالاسلحة ودعم هذا الحزب وجعله بمثابة الوصي البديل من الوصي السوري على لبنان بعد انسحاب القوات السورية من كل أراضيه.
وعندما تأكد لاسرائيل ان سوريا ليست في وارد حمل "حزب الله" على التخلي عن سلاحه ومنع مرور الاسلحة اليه عبر أراضيها حتى بعد إعادة الجولان اليها لئلا تسوء علاقتها بايران، رأت اسرائيل ان لا مصلحة في إعادة الجولان الى سوريا من دون اي مقابل، حتى ان توقيع اتفاق سلام بين سوريا واسرائيل قد لا يضمن حفظ الأمن اذا ظل "حزب الله" يتلقى الأسلحة على انواعها وينصب الصواريخ قريباً من حدودها لتهديد أمن الدولة العبرية، وان سوريا تلتزم أمن حدودها مع اسرائيل فقط، وليس أمن حدودها مع أي دولة أخرى مجاورة. وقد كانت عند التزامها بعد توقيع اتفاق فك الاشتباك اذ كانت هذه الحدود هادئة وآمنة تقيداً بهذا الاتفاق.
لذلك عاد المبعوث الاميركي جورج ميتشل يركز محادثاته على المسار الفلسطيني ويطلب من الدول العربية والاوروبية التي لها تأثير على السلطة الفلسطينية كي توافق على العودة الى طاولة المفاوضات، لكن فرنسا طلبت إعطاء ضمانات للسلطة الفلسطينية وهي أن تكون لهذه المفاوضات نتائج ايجابية خلال مهلة محددة فلا تظل مفاوضات عبثية تدور في حلقات مفرغة كما حصل حتى الآن وعلى مدى سنوات طويلة. وأن يتم إعلان ذلك من خلال بيان واضح يؤكد ان غرض المفاوضات هو الوصول الى قيام دولة فلسطينية خلال مهلة زمنية معقولة، لأن السلطة الفلسطينية تعتبر انها أكثر ارتياحاً في ظل الوضع الراهن، من المخاطرة بالذهاب الى مفاوضات غير مضمونة النتائج، خصوصاً ان الرئيس الفلسطيني محمود عباس ليس في وضع يمكّنه من القيام بمثل هذه المخاطرة.
وارتأت فرنسا ان مثل هذا الاعلان اذا لم يكن في الإمكان صدوره عن اسرائيل أو عن الولايات المتحدة الاميركية بمفردها، فيمكن صدوره عن مجلس الأمن أو عن اللجنة الدولية الرباعية أو عن مؤتمر دولي كانت قد اقترحت عقده.
وفي معلومات للمرجع الرسمي نفسه ان اسرائيل باتت مستعدة لأن تعقد اتفاق سلام مع السلطة الفلسطينية حتى ولو لم يتم التوصل الى اتفاق بين هذه السلطة وحركة "حماس"، وذلك اعتقاداً من اسرائيل انها اذا انسحبت من الاراضي الفلسطينية التي تحتلها الى الحدود التي يصير الاتفاق عليها، وقد تكون حدود عام 1967، وتم الاتفاق ايضاً على اقتسام القدس، كي يتم التوصل الى ترسيم نهائي لحدود الدولتين ولا يعود بناء المستوطنات عندئذ مشكلة على أن يسبق بدء المفاوضات رفع الحواجز الاسرائيلية ووقف العمليات العسكرية وتحرير اعداد من السجناء الفلسطينيين لإراحة السلطة الفلسطينية وتعزيز وضعها أمام خصومها في الداخل والخارج. ولا بد عند التوصل الى مثل هذا الاتفاق ان تنضم اليه حركة "حماس" وألا تكون هي الخاسرة أمام شعبها وخصوصاً ان لا سبيل الى المزايدة سياسياً وشعبياً على السلطة الفلسطينية بعد أن تكون قد حصلت على الحقوق المشروعة التي تطالب بها، وهي حقوق كان الرئيس عباس قد أوشك على الحصول عليها مع رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق ايهود أولمرت وقد شملت الحدود والقدس وعودة قسم من اللاجئين.
ويرى المرجع نفسه ان أمام الرئيس الاميركي باراك أوباما بضعة أشهر للتحرك من أجل تحقيق السلام الشامل بدءاً بالقضية الفلسطينية باعتبارها لبّ ازمة المنطقة، ولأن اقتراب الانتخابات النصفية الاميركية في تشرين الثاني المقبل قد تشل قدرته على التحرك، وتجعل اهتمامه يتركز على تفادي هزيمة فيها تنعكس سلباً على معركته الرئاسية المقبلة، ويفقد بالتالي قدرة الضغط على اسرائيل وعلى الكونغرس للحصول على التنازلات التي ترضي الفلسطينيين والعرب من دون تجاهل ما قد يطرأ من تطورات حول البرنامج النووي الايراني سواء أكانت سلبية أم ايجابية.