لبنان بلد متخم بالسياسة. واللبنانيون شعب طفح كيلهم من أهوال ما سببته هذه "السياسة" في الفترة الاخيرة على الاقل:
خمسة أعوام عجاف والبلد في مستنقع الصراعات والمناكفات. الدولة في التعطيل والمسؤولية في العجز والناس في اليأس والأبناء أمام أبواب السفارات وعند موانىء الهجرة هرباً.
لم يعد هناك من متسع عند الناس لكل هذه الانقسامات السياسية والتفاصيل والحسابات الضيقة، والشعارات البراقة والخادعة غالبا. ثمة حاجة عميقة وكبيرة الى دولة بمعنى الدولة، الى حكومة بمعنى الحكومة، الى مسؤول بمعنى المسؤولية، والى حاكم يعرف كيف يستعير عقل المواطن، والى مرجع تصل فعلا الى عقله وقلبه، "أبخرة" الآمال والطموحات التي تتصاعد من نوافذ المنازل اللبنانية المقفلة على ركام من الخيبات وحطام من التمنيات. فلقد مضى زمن بعيد ولبنان في عراء من الدولة ويتم من السلطة بفعل جنون الانقسام.
❒ ❒ ❒
هكذا أو لهذا، بدا سعد الحريري أول من أمس وهو يستفيض في الحديث عن حلمه كمسؤول وعن أحلام الناس كمواطنين. بدا فعلا، كأنه واصل لتوه، لا من قريطم ولا من بيت الوسط، ولا من جاه السرايا، بل من معاناة "القرايا" من أقاصي الصرفند وجبل عامل. من مجاهل حرمون والبقاع الغربي، من متاهات المنية والهرمل أو من أفقا وحراجل والجوار.
حديث رئيس الحكومة عما يريد الناس في لبنان وما ينقصهم ويحق لهم، لا يشكل اكتشافا على الاطلاق، لكن اللغة البسيطة الواضحة والمفعمة بمزيج من التوق والحماسة المكنونة، التي برزت في كلماتها حرارة الرغبة في أن تبدأ أخيرا تلك العلاقة الصحيحة والصحية بين دولة مسؤولة ومواطن مقتنع. هذه اللغة وتلك الحماسة شكلتا فرقا عند كل الذين استمعوا اليه، من الناقورة الى النهر الكبير مرورا بالعاصمة وضواحيها، فما يطلبه الناس في الاصقاع والارياف يطلبه ايضا أهالي الاشرفية والحمراء والطريق الجديدة وفردان والنبعة وكل المدن اللبنانية.
يقول ان أولويات الحكومة هي أولويات الناس، وعلينا ان نطبقها وفق جدول زمني مسؤول:
اللبنانيون يريدون مدرسة تعلِّم. مستشفيات تعالج. طبابة تكافح الامراض وتصون الصحة. أدوية تشفي لا تسرق بقية من ليرات الجيوب الخاوية.
اللبنانيون يريدون شبكة اتصالات تعمل. يريدون مياها كافية ونظيفة، يريدون كهرباء لا تنقطع على مدار الساعة، يريدون الطرق خالية من الحفر وصالحة للسير، يريدون الهواء، حتى الهواء صار مطلوبا وبإلحاح.
واللبنانيون يريدون الاحساس العميق والمريح بالأمن وبالاستقرار وبهيبة الدولة والقانون. يريدون مطارا في الشمال وبيئة تليق ببلد حباه الله أن يكون تاج البيئة ولكنه يسرع الخطى ليصير مزبلة. يريدون دولة ديناميكية متحركة لا يأكلها عفن البيروقراطية، تسهل المشاريع وتيسّر الانتاج وعمل الشركات. يريدون ضمانا صحيا يطمئنهم فكفاهم انتظارا مُرّاً أمام المستشفيات والعيادات.
❒ ❒ ❒
كيف استذكر سعد الحريري كل هذا الطوفان من المطالب المحقة والمزمنة، ومن أين استجمع كل هذه الحماسة الحارة في سرد هموم الناس، مذكرا بما يقوله المواطنون وغالبا ما يتجاهله المسؤولون وهو: "ان مجلس الوزراء يتقاضى رواتبه من الناس وعلينا أن نخدمهم"!
تحدث عن برنامج طموح للقيام بإصلاحات تساعد في تأمين هذه الاولويات. قال كلاما طيبا جميلا ومؤثرا يتمنى اللبنانيون أن يسمعه كل مسؤول في "الدولة" او ليصير لنا دولة. تمنى أن لا يسافر الناس من لبنان وهو ابن البيت الذي شمخ من سفر. يحلم بأن يجد فرصة عمل لكل لبناني، بأن يخرج الطالب من الجامعة ليدخل العمل لا ليتلظى في البطالة.
❒ ❒ ❒
لن نتوقف كثيرا عند ما قاله في شؤون السياسة، وقد جلس في المقهى إياه حيث كان يجلس والده والناس من حوله مارة في كل اتجاه، وتحدث الى اذاعة "مونتي كارلو" بعقل مواطن من كل بيت لبناني وبحماسة مسؤول شاب يريد أن يحدث فرقاً بالسعي لاستجابة طموح كل بيت لبناني.
قال كلاما مهما في السياسة: "يجب علينا أن نصدق أننا مستقلون". من يمض في عزف أناشيد الاستقلال، عليه ان يصدق ومن لا يثير فيه الاستقلال حماسة أو حمية عليه التصديق. علينا أن نصدّق لكي نستقلَّ فعلا. وعندما نستقل يمكن ان يتحقق الحلم الذي أشار اليه، بأن يأتي اليوم الذي يفخر فيه اللبناني بدولته.
لكن كي يأتي هذا اليوم ثمة حاجة بالتأكيد الى تذكر ما قاله نابوليون ذات مرة: "إنني أصنع خططي من أحلام جنودي النائمين". ففي لبنان نحتاج الى دولة تضع خططها من آمال أبنائها المقهورين… جميعا!