تضمنت ورقة سياسية وضعها حزب الكتائب اخيرا منحى وصفيا موفقا ولاذعا في واقعيته لجهة ابراز الواقع "الفيديرالي" الذي تجسده "حكومة الوحدة الوطنية"، مع ان الحزب ممثل فيها ومنخرط في التسوية التي استولدتها. وبدا الحزب "اليميني" الاعرق في توصيفه للحال السياسية اقرب الى "يسار" ينمو على كتف قوى 14 آذار، ممزقا بين "نصف رجل" في السلطة و"نصف رجل" في المعارضة. ولم يخالف الحزب هذه الاشكالية المثيرة للاهتمام والتي ترافقه منذ الانتخابات النيابية، بحضوره "اجتماع البريستول" ممثلا برئيسه الاعلى الرئيس امين الجميل الى ممثليه في الحكومة وبعض نوابه، فيما غاب عنه ممثل "اليسار الكتائبي" النائب سامي الجميل.
في موازاة ذلك اندفع "التيار الوطني الحر" مع اقتراب العيد الـ1600 لشفيع الطائفة المارونية القديس مارون في تنظيم رحلة "حجّ" جماعية الى حلب لتتويج الاتجاهات والاستدارات "المشرقية" لزعيم التيار على وقع تزامنات الانفتاح المزدوج على سوريا من جهة وذكرى ابرام "مذكرة التفاهم" مع "حزب الله" من جهة اخرى. ولم يخالف "التيار" بدوره هذه الاشكالية المثيرة بدورها لمزيد من الاهتمام اندفاعه الداخلي اخيرا الى طي صفحة تشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية التي تسببت بانفصام بينه وبين ركن اساسي في قوى 8 آذار الرئيس نبيه بري، ولا كذلك اندفاعه الى سحب مشروع القانون لخفض سن الاقتراع الذي كان نواب "التيار" في اساس وضعه وتقديمه.
وليس بعيدا من الصيفي والرابية، انبرت "القوات اللبنانية" الى ابراز قوة عصبها كذراع مسيحية اساسية في قوى 14 آذار، عبر التحضيرات السياسية والشعبية الجارية للحشد المرتقب في يوم 14 شباط المقبل، عبر التركيز على خصوصية هذه الذكرى والتصاقها الحصري بهذه القوى. ولم تخالف "القوات" ايضا وايضا اشكالية المواءمة بين تسليمها بمنحى الانفتاح الذي يتبعه حليفها الاكبر الرئيس سعد الحريري على سوريا وإثارتها المفاجئة لممارسات تقوم بها اجهزة امنية في حق مناصريها، على خلفية التوجس من استعادة صفحات سوداء من زمن الوصاية السورية والنظام الامني "المشترك".
قد يخال بعضهم ان رسم هذا المشهد البياني العريض لثلاث قوى مسيحية اساسية يتأتى من الذكرى الدينية – السياسية الاهم لدى الموارنة في 9 شباط، او من الذكرى الخامسة لـ14 شباط باعتبارها المنطلق والرحم لاطلاق "ثورة الارز". لكن الواقع ان لا هذه ولا تلك هي الدافع لتظهير "أجندات" مسيحية حزبية وسياسية مختلفة في هذه الحقبة، ولو ان كلا من المحطتين تلفح القوى المسيحية بقوة وتحفز على معاينة اوضاعها الذاتية.
الدافع الحقيقي هو سياسي في الدرجة الاولى بمعنى رصد حال العصب القديم والجديد للموارنة في زمن "التسوية" بين الشريكين الآخرين صاحبي الزمام الكبيرين والاشد تأثيرا في توجيه دفة السلطة والواقع الطائفي والمذهبي، اي الشريك السني والشريك الشيعي.
وبمناسبة او من دونها، لا يمكن اختصار الموارنة السياسيين والحزبيين بالقوى الثلاث ورموزها ومقارها في الصيفي والرابية ومعراب. غير ان هذه القوى الرئيسية تتماثل من حيث ان المناصرين الموارنة يشكلون عمودها الفقري، وبأنها تشرب اساسا من "معتقدات – أم" واحدة جعلتها في حقبات ماضية، مع اخرى مثلها كحزب الوطنيين الاحرار ومجموع الشخصيات التي كانت تنضوي في اطار "لقاء قرنة شهوان" في معسكر سياسي و"جغرافي" و"نضالي" واحد. وحده حزب الكتلة الوطنية ظل متمسكا بشكل يثير الاعجاب والذهول واحيانا الحنق الشديد، بالتميز بخصوصيات يترجمها عميده الحالي بحضور "لقاء البريستول" على يمين اليمين صقوره فيما هو اول المنسحبين من هذا التجمع ولا يأتلف في اطاره.
هي إذاً صورة لديناميكية "أجندات" مارونية متصاعدة وشديدة التناقض في نواح، ولكنها مشدودة بالكامل من جديد الى عصب "قديم" واحد ولو بتعبيرات مختلفة تمليها موجبات التسوية مع الآخرين والحاجة اليومية الى عدم مبارحة النظام الطائفي خصوصا متى كان الآخرون اعتى دفاعا عن هذا النظام بطرقهم واجنداتهم.