حتى تساقط الثّلج لم يعد يغيّر مزاج اللبنانيين ويمنحهم شيئاً من السعادة، وهم يتأملون هذا البساط الأبيض الذي يدنو شيئاً فشيئاً من الساحل، فالصقيع حوّل الطرقات إلى "لوح قزاز"، هكذا كانت التحذيرات تتوالى بالأمس منبهة من خطورة قيادة السيارات على "لوح القزاز" هذا، مع أن لبنان ووضعه السياسي كلّه أشبه بـ"لوح قزاز"، السير كلّه محفوف بالمخاطر، وبصرف النظر عن "نكات" التهدئة، والانفراجات، البلاد أشبه ببحيرة جليد يقف الجميع على سطحها، ولا يعرف أحد لحظة تشقّقها، لتفاوتٍ في سماكتها…
وسواء "تزيّن" الحديث من داخل أو من خارج، عن "إصلاح النظام"، أو "تطبيق الدستور"، أو "إلغاء طائفيّة النظام"، أو تقاطع مع طرائف "تغيير النظام" عن بكرة أبيه، فلبنان، "لوح القزاز"، لن يبقى طويلاً تحت طبقة الجليد الهشّة الرقيقة، التي تمنح الجو هذه البرودة و"البرادة"التي تنتظر أن يُسفر المشهد الإقليمي الذي يغلي عن لحظة الانفجار التي يبدو أنّها أقرب كثيراً من "ثقب" انفراج..
وسط هذا "الأبيض" الداكن، الشديد الغموض للمفارقة، يبدو المشهد خرافياً، فنحن نعرف سيرة بعضنا البعض في المنطقة، ونعرف من يتربص ويطمع بنا، وكم يُحفر للبنان من حفرٍ علّه يسقط في واحدة منها، ويردم فيها إلى الأبد، يبدو "الشيخ زنكي" سيّد المشهد بامتياز، "الشيخ زنكي اللي دافنينو سوا"، تبدو حكايته مخترعة، لإهانة تاريخ الأولياء ومزاراتهم، وربما سخرية ممن أقاموا ضريحاً لـ"نور الدين زنكي" صاحب الهمّة الجليلة في السعي لتحرير بيت المقدس…
ومصدر هذه الاضطهادات معروف، تكاد تشي به الحكاية نفسها، وللصدف كثيرون لا يعرفون قصّة "الشيخ زنكي"… فما هي هذه الحكاية التي تشبه واقعنا السياسي كثيراً؟!
وتقول الرواية الشعبية: "أن رجلين من أهل الشام ضاق بهما الحال فخرجا من قريتهما يبحثون عن الرزق ومعهما حمار لهما هزيل البنية، فمات في الطريق عند أحد القرى، وفتقت الحيلة لأحدهما عن فكرة خبيثة، فقاما بدفن الحمار ونصبا عليه قبّة، وادّعيا أن القبة لضريح رجل من الصالحين اسمه زنكي…
وأقاما في المكان بحجة خدمته وكثر الزوار وكثرت الهبات والنذور وذاع صيت الشيخ زنكي بين العامة… وفي يوم قرّر أحدهما العودة إلى زيارة أهله، تاركاً مهمّة رعاية "واردات زنكي المالية" لصاحبه على أن يقتسماها عند عودته… ثم عاد وسأل بعد غيبة ليقتسم نصيبه مع صاحبه، فأعطاه نصيباً من المال فاستنكر ضآلة المبلغ، فسأل صاحبه عمّا وصله من الحصيلة، فبدأ يقسم له بحياة الشيخ زنكي ورأس الشيخ زنكي بأن ما أعطاه هو قسمة الحقّ بينهما، فقال له صاحبه: شو الشيخ زنكي؟ ما نحنا دافنينو سوا"!!
وما أكثر "الزناكي" التي دفنها سياسيّو لبنان معاً، ومرروها على ذقون اللبنانيين، خصوصاً عندما "يلفونها لنا بسوليفان" التضحية والواجب الوطني والمسؤولية الوطنية!!