غريب أمر الرئيس السوري بشار الأسد. فنحن لم نفاجأ بمضمون كلامه الأخير الى مجلة "نيويوركر" حين قال إن "لا أحد يطمئن إلى شيء في لبنان إذا لم يتغيّر النظام"، لافتاًً إلى أن "الحرب الأهلية في لبنان تحتاج إلى أيام لتنشب وليس إلى أسابيع أو أشهر".
طبعا المضمون لا يفاجئ لأن نوايا الأسد ونظامه معروفة وليست بجديدة على اللبنانيين. لكن المفارقة أن "شلش الحياء" طق عن بشار الأسد فلم يعد يخجل من إرسال التهديدات مباشرة الى اللبنانيين والتدخل في شؤونهم بكل وقاحة عبر المطالبة بتغيير نظامهم، وإلا… الحرب الأهلية في أيّام!
وبعد، يطالعنا قائد مسيرة الحجّ الى سوريا النائب ميشال عون بنظرية "سوريا خرجت من لبنان"، لا بل قد يدّعي غدا أن "لبنان أصبح في سوريا" مع حجّه المبرور الى براد لمناسبة عيد مار مارون!
ولأن الموضوع لا يتعلق برأي عون بل بكلام رأس النظام البعثي، فإنه لا بدّ من توضيح بعض الأمور الملتبسة على الرئيس السوري:
ـ إن اللبنانيين لن يذهبوا الى حرب أهلية. أما كلام الأسد فيعني أن نظام "البعث" الشامي يدفع بأزلامه في لبنان الى العمل لمحاولة جرّ لبنان الى حرب أهلية في استدراج عروض سافر للعودة مجددا الى التدخل في الشؤون اللبنانية، لا بل ربما إنعاش حلمه بالعودة الى لبنان بعد كابوس 14 آذار 2005 الذي طرده مذلولا في 26 نيسان 2005.
ـ وبوضوح أكبر نشير الى أن لا أحد في لبنان يقدر على افتعال حرب أهلية باستثناء "حزب الله". فالجيش اللبناني والقوى الأمنية الشرعية قادرة على لجم أي محاولة داخلية للعبث بالأمن، باستثناء المحاولات التي يكون "حزب الله" مصدرها. والى حدّ علمنا فإن "حزب الله" لا يتطلع الى حرب أهلية بل يركز اهتماماته العسكرية على مواجهة العدو الإسرائيلي وتهديداته في الجنوب. هذا في الظاهر، إلا إذا كان ثمة من يحضر بإيعاز سوري لـ7 أيار جديد في محاولة لجرّ لبنان الى فتنة داخلية.
ـ أما صراعنا مع "حزب الله" حول سلاحه والإمرة على هذا السلاح، فهو محصور في الإطار السياسي وعلى طاولة الحوار وأي مؤسسة دستورية سواء كانت مجلس الوزراء أم مجلس النواب. وبالتالي فإن أحدا في لبنان لم يطلب نزع سلاح "حزب الله" بالقوة، لا بل نتمنى باستمرار على الحزب ألا يوّرط لبنان في أي مغامرة مجنونة وغير محسوبة عن طريق منح إسرائيل أي ذريعة لشن عملية عسكرية على لبنان.
وبالتالي، يحق لنا أن نسأل كيف ولماذا يمكن أن تندلع حرب أهلية في لبنان؟ ومن يحرّض؟
أما في موضوع تغيير النظام فيهمنا أن نعرف حقيقة نوايا الأسد. هل يسعى الى تغيير النظام من خلال العودة الى ما قبل الـ2005 لنعود الى حضن نظام عنجر؟ أم أن الأسد يطرح علنا ما كان يدور في الخفاء مثل طرح المثالثة في النظام السياسي في لبنان؟ أم أن الأسد يسابق رئيس مجلس النواب نبيه بري في طرحه إلغاء الطائفية السياسية في محاولة يائسة لإحكام قبضة مذهبية على لبنان، وبالتالي ليس فقط تغيير النظام بل تغيير هوية وطن الأرز التعددي والمتنوع بشكل كامل وإلحاقه بمشروع ولاية الفقيه؟!
أيا تكن نوايا الرئيس السوري، فإن من الأفضل له أن يدع اللبنانيين وشأنهم، وليهتم بشؤونه الخاصة وأمور شعبه ونظامه عوض أن يستمر في التدخل في الشؤون اللبنانية. ولعله يجد طريقة مناسبة لاسترداد أراضيه المسلوبة سواء في الجولان أم في لواء الإسكندرون!