"… وهنا يكمن الوفاء الحقيقي لحدث 14 آذار: في اعتباره نقطة البداية لعمل سياسي قد يتطلب وقتاً مديداً كي يثمر، مثلما تطلب انهاء عهد الوصاية نضالات طويلة وتضحيات كبيرة لم تختصر بالنزول الى ساحة الشهداء ذات يوم من ايام شباط او آذار. وفي الاتعاظ منه بأن السياسة ليست حكراً على السياسيين، مهما حاولوا احتكارها، وان الاصلاح لن يبنيه الا من لهم مصلحة فيه. اما التبرم والاحباط والقنوط، فتلك هي تحديداً العادات التي لم يعد لها مكان منذ 14 آذار". (شهيد ثورة الإستقلال سمير قصير "صدى الإنتفاضة ووعد التغيير" النهار 20/05/2005).
رائعٌ مشهد الأحرار في البريستول، رائع هذا اللقاء التحية، فالأوفياء لا ينسون تحية شهدائهم أبداً. في كل مرة تخبو نار الثورة فينا تحل ذكرى شهيد لتذكرنا بأن الثورة ليست ملكاً لنا، إنها ملك آلاف الشهداء الذين سقطوا في الطريق إلى 14 آذار، ومن ثم على طريق "14 آذار". الشهداء لا يبدلون مواقعهم، ولا يخذلون الثورة التي من أجلها سقطوا، ولا يساومون على الوطن الذي أحتضنوه أحياء فاحتضنهم شهداء، ولا يتركون الساحة، ساحة الحرية، لأن لا قيمة لشهادة ما لم تكن في سبيل الحرية.
لا زلت أذكر ذاك اليوم الكبير، يوم التقينا في تلك الساحة التي استحالت رمزاً للحرية ومحجاً للأحرار، هناك ألغيت الطائفية، وليس في اجتماعات عين التينة برئاسة الرئيس بري التي كانت تطالب يومها باستمرار الإحتلال السوري للبنان، في تلك الساحة سقطت الحواجز النفسية والطائفية وتمت تنقية الوجدان، هناك رٌفعت صور بشير الجميل إلى جانب صور رفيق الحريري وكمال جنبلاط، وعبثاً يدّعون إسقاط تلك الحواجز في المصالحات المصطنعة التي تمت أخيراً. في تلك الساحة التقيت بأنصار الحزب الإشتراكي، ومعاً صنعنا الإستقلال الثاني في 26 نيسان 2005، وسوياً بكينا الشهيد تلو الآخر، وغداً لا بد أن نلتقي مجدداً في الساحة لأن أحرار الجبل سيكونون هناك لا محال.
في تلك الساحة سقط النظام الأمني البغيض، وانهار جيش الإحتلال السوري، وارتفع صوت العدالة الدولية. في تلك الساحة استعادت الحرية تألقها، وغدا ثوارها مثالآً يحتذى لكل عشّاق الحرية، ومن تلك الساحة انطلق حلم بناء الدولة، ومهما طال الزمن وكثر عدد الصواريخ فإن أحلام الأحرار لا بد وأن تتحقق، فما من قوة أكبر من قوة الإرادة التي يختزنها إنسان حر.
قالوا إننا انتهينا وإننا بتنا رماداً، غاب عنهم أننا جمر الحرية الذي لا ينطفئ، الجمر الذي أوقد شرارة التمرد على التدجين، التمرد على الخضوع والخنوع، لنعد أيها الرفاق إلى الساحة، لنعد إلى الأحلام، فلن يروض إرادتنا منافق، ولن يرهبنا جبان، ولن يقتل أحلامنا إنهزامي وصولي متخاذل، لنعد أيها الرفاق إلى الساحة ولنعلن بصوت عالٍ أن لا تسوية مع منطق الدويلة، ولا تخاذل أمام السلاح غير الشرعي حتى يتم تسليمه إلى الجيش اللبناني، ولا مهادنة مع ظالم، ولا علاقات سليمة قبل تحقيق العدالة للشهداء وقبل عودة المعتقلين.
غداً نلتقي في الساحة، حيث سيكون بانتظارنا بشير الجميل ورينيه معوض، المفتي حسن خالد، كمال جنبلاط، داني شمعون ورفيق الحريري، باسل فليحان وجورج حاوي، سمير قصير وجبران التويني، بيار الجميل، انطوان غانم، ووليد عيدو، فرنسوا الحاج ووسام العيد وكافة شهداء الحرية، هناك ستستجاب صلواتي، فنحن لسنا أبناء القبور، ولا نعيش في ظل الإستبداد، نحن أبناء الحرية وعلى صخرة الحرية تبنى كنائسنا.