#adsense

بيروت الواحدة ما أكثَرَها!

حجم الخط

على امتداد الحروب المتنوعة من كل "لسنٍ وامة" على بيروت، خلال العقود المنصرمة، عقود قوى الأمر الواقع و"محميات" الخارج في الداخل، قُسِّم كل لبنان، جُزُراً مذهبية هنا، وطائفية هناك و"ايديولوجية" هنالك. ذلك ان الحروب التي اعلنت على لبنان "بواجهات" بلدية وارادات بَراّنيةّ، كانت حروب تقسيم، ومشاريع كانتونات، تمّ عبرها تسلل الوصايات والاحتلالات تحت شعارات شتّى من "عروبة لبنان" الى "لبنان العنفوان والكرامة" الى لبنان "المقاوم" و"الصامد" و"القوي بضعفه و"الضعيف بقوته" و"وحدة لبنان" لكي لا نقول وحدة "الأمة العربية" وصولاً الى "الوحدة الأممية".. هنا تسيطر ميليشيا هذا الحزب. وعلى تخومه ميليشات اخرى. وهكذا دواليك ضمن ما كان يسمى "خطوط تماس" كانت فعلياً "خطوط انفصال".

وعلى هذا الاساس حُوِّل "لبنان الكبير" الى "لبنانات" صغيرة، ميكرو "أوطان" وميكرو جمهوريات بائسة وميكرو ادارات مدنية تافهة تسلمتها حفنة من شذاذ الطوائف.

عال! قلنا إنها الحروب ومنطقها ومناطقها وخنادقها وسرادقها، وقلنا إنها "اوطان" فُصِّلَتْ على قياس هؤلاء: ابطال الميليشيات من كل حدب وصوب ومشيئة. اكثر: حُوّل الشعب اللبناني باسم النضال من اجل وحدته مجموعة شعوب متنافرة، متناكرة، متلاغية. كل شيء مُقسَّم: فهذه المنطقة دُمغَتْ بالانعزالية، والأخرى بالوطنية. وادركت هذه التسميات كل شيء. فشجر ودجاج وهواء واطفال هذه المنطقة انعزاليون… مقابل شجر ودجاج وهواء واطفال المنطقة الأخرى.. وكلهم "وطنيون" وقد وصل الأمر ببعض "المثقفين الذين انخرطوا في اللعبة الجهنمية ان عمموا تعميماً عنصرياً على الشعب والطوائف، فتفتحت عبقرياتهم على مقولة "الطبقة الطائفة (على الطريقة النازية أو الصهيونية) التي حكمت على بعض الطوائف .. بالادانة بكل تواريخها وثقافاتها ووجودها.

عال! وقلنا إنها الحروب تستحضر وقودّها أحياناً من أهل الثقافة الذين تحول بعضهم الى "عسكر فكري" و"الى طبقات متواطئة" والى يوتوبيات قاتلة تلعب بالهويات "النقية" لعبها بمصير البلاد، من أجل أهداف سياسية معروفة. عال! وعندما اعلنت في مرحلة ما، عناوين العودة الى الدولة الواحدة، وفكرة الشعب الواحد، واعلن من اعلن توبته وانتقد من انتقد افكاره وممارساته، قلنا عال!

براو! لكن وفي خضم تلك الحروب الهمجية البربرية التي جسدها "الجميع" بلا استثناء، كان لبيروت النصيب الأكبر من التفتيت والتفكيك والتقسيم: صارت بيروتين (ولبنان عدة لبنانات) وفي كل من البيروتين بيروتات رسمت حدودها بسيطرة هذه القوى "الميلشيوية" على هذا الزقاق أو الشارع أو المنطقة مقابل أخرى، صادرت شوارع أخرى، فبدتْ بيروت كوجه مُشطب بأمواس وجسدها كجثة مقطعة أطرافاً واعضاء".

وقد شهدنا هذه المراحل كلها. وشهدنا ما قاسته بيروت من استباحة وقتل وسرقة ونهب وحواجز اعدام، وأقبية تعذيب وخطف ومعارك بين المعسكرين وأخرى ضمن المعسكر الواحد.

اذاً، كان هناك جدلية شبه آلية بأنه عندما يقسم لبنان يدرك التقسيم بيروت (والمدن الأخرى التي تحولت بدورها مجموعة أزقة وشوارع واحياء منفصلة). اكثر: كلّما انقسم لبنان انقساماً طائفياً عمودياً انقسمت الناس انقساماً مذهبياً عمودياً، اذ كانت تنتقل المعارك بين الفئات "الكبرى" المتصارعة الى داخل "الاحلاف" الكانتونية وكم نتذكر من مجازر ارتكبت بين أهل "الخندق المذهبي أو السياسي الواحد" وليس المجال هنا لتعدادها.

أكثر: كلّما التهب الصراع بين هذه الفئات المتصارعة والفئات المتحالفة، عرفنا ان الصراعات الخارجية العربية العربية والعربية الخارجية ملتهبة: فلا معركة "لبنانية" أو طائفية "نقية" وانما معارك بالوكالة عن القوى الاقليمية والبعيدة. نحن ادوات اذاً؟ نعم! عملاء! نعم! مرتزقة؟ نعم! ومَنْ غير هؤلاء يخطر بباله ان يقسم بيروت أو بلده ويعدم مكوناته ويهدد كيانه ووجوده غير هؤلاء المنفذين لارادات الخارج (فالعمالة عمالة سواء لاسرائيل او لسواها: الاختلاف بالدرجة فقط وليس بالطبيعة: والسلة واحدة موضوع فيها هؤلاء كالبيض الفاسد، وكالحيوانات الموبوءة) وفي هذا الاطار كان لبنان دائماً "وطناً" ثانياً (أو ثانوياً) لهؤلاء.
وبيروت عاصمة ثانية (أو ثانوية) يجب، في نظرهم ان يُحكمَا من الخارج ويُدارا بأيدي وصايات ما.

فبيروت كانت "وسيلة" أوطان أخرى. وكذلك لبنان. اي ساحة. أي منطقة. أو باحة يحتلها الآخرون. وأفضل الطرق لتحقيق هذه الأهداف: التقسيم، تقسيم بيروت وكان يعني تقسيم القلب. واتلاف شرايينه وأوردته وفصد دمه. والمعروف، ان كل قوة كانت تريد اختبار قوتها، أو تسجيل "حضورها" كان عليها ان تنتهك بيروت، أو ان "تناضل" و"تكافح" و"تجاهد" للهيمنة عليها أو على الأقل لاخذ حصة كبيرة فيها، بقوة السلاح والعنف. أي استخدام تقسيمها وسيلة لاثبات وجود هذه الفئة أو تلك، حتى بدت بيروت في بعض المراحل، وكأنها "معاقل" لعشرات القوى المتصارعة وخريطتها السياسية والمكانية والاجتماعية والعسكرية تَعِجُّ بالمصارعين عليها.. خدمة لأسياد في الخارج. ويمكن القول، هنا، إن كل وصاية شرفتنا على امتداد العقود الأربعة، وكل احتلال غزانا (وأحياناً تختلط التسميات عن جدارة)، وكل قوة شاركت في هذه الفولكلورات الدموية، كانت تحظى بدعم أو من تنظيمات ساهمت في تركيبها وتمويلها واستئجارها: كانت ترسخ لها "قواعد" من احلاف "بلدية"، لتبرر تدخلها او لتنجد من يستجير بها من هذه الطائفة او الملّة أو النِحلة (انه الأسلوب الاستعماري القديم جدده اهل القربى والاعداء… بامتياز) تحت يافطات مختلفة تتغير بتغير "المعطيات" والظروف، لتمعن عبر كل ذلك تمزيقاً في وحدة بيروت التاريخية، وفي النسيج الاجتماعي والوشائج القومية، في الوقت الذي كانت اسرائيل تأخذ كل وقتها حيث تحتل وحيث تقوم على قدم وساق بتهويد فلسطين والقدس والجولان. فهي مرتاحة لأن الذين يفترض ان يواجهوها، يتواجهون في بيروت وسائر لبنان باسم "مواجهتها".. والصمود في وجهها (عندنا) والتصدي لمخططاتها (عندنا). عال! وهل يمكن ان تتمنى اسرائيل افضل من هذه الحال؟ تقسيم لبنان، وبيروت، والطائفية وخطوط التماس والميليشيات وضرب الدولة والغاء دور العاصمة التوحيدي والحضاري.. عال! يا سيدي! براو!

فمن ضمن هذه الخيارات كان لبيروت حصتها "المناسبة" في الشرذمة والتحطيم والتدمير والخراب. وعندما تكون بيروت على هذه الحال، فلا يمكن ان تستحق لا صفة "وطنية" ولا "لبنانية" ولا حضارية.. ولا عروبية ولا حتى دينية (لأن الطائفية هي الوجه الاستغلالي السياسي المشوه للدين) سواء كانت في الغربية أو في الشرقية! (العوذ بالله). بيروت اذاً على استهداف: دائماً على حافة العبث بها.

وعندما قيل لنا إن الحروب انتهت وتوحدت بيروت، وصار عندنا هوية اسمها "بيروت الكبرى" تنفسنا الصعداء! عال: عادت المدينة ليعود الوطن. توحدت ليتوحد الوطن والجمهورية والجيش والدولة. عال! هذا كان بعد الطائف. عال! سلّم "الشباب" اسلحتهم (ليس كلهم بحمده تعالى)، وانضموا الى لبنان الموحد، عاقدي الخناصر والبناصر، ولكن كانت بيروت، برغم هشاشتها تستعيد بعض انفاسها. وكانت الوصايات والاحتلالات من هنا وهناك، وكانت انتخابات. وكان الشهيد رفيق الحريري، دخل في اللعبة السياسية مع سواه. وتسلم رئاسة الحكومة وكانت نهضة "اعمار" في البلاد وخصوصاً في بيروت، لكن وبرغم ذلك فبيروت كانت لا تزال تحت "المجهر" من قبل العدو الاسرائيلي واهل الهوى والطرب والوصايات. وعندما اجريت الانتخابات الأولى بعد الطائف، اكتسح الحريري بيروت. آه! عادت الشكوك اليها. وعاد الارتياب. اذاً (وفي ظل النظام الأمني المشترك) قالوا فلنقسمها من جديد وعليه، فلن يحظى الحريري عندها بأكثر من اربعة أو خمسة نواب. هذا هو حجمه المطلوب بالنسبة اليهم. وعندما اجريت الانتخابات الثانية، تضاعف اكتساح الحريري بيروت والمناطق! لم ينفع التقسيم الجديد: اغتيل الشهيد الحريري ومن دمه الزكي تفجرت انتفاضة الاستقلال وقيل: "سيغلق هذا المنزل" (بالقتل) لكن سقط رهان (القتلة) وجاء سعد الحريري وحذا حذو والده بالاكتساح الانتخابي مع 14 آذار على دورتين وخصوصاً في بيروت (والمدن الأخرى) اذاً فلنعد الى نغمة التقسيم تحت شعار "التوازن". اي ان الذين فشلوا في المعارك الانتخابية يريدون ان يعوضوا فشلهم بالحيلة. وبالتذاكي، لتفتيت قواعد14 آذار في بيروت وخصوصاً تيار المستقبل، فلعلهم في ذلك يتسللون عبر "المحاصصة" المستجدة، (ومن فوق الانتخابات البلدية وغداً النيابية) الى هذه المجالس المقسمة تقسيماً سياسياً (مذهبياً) لا ادارياً. وقد ضرب بعض هؤلاء امثلة على تقسيمات عواصم غربية منها باريس. وكأن هذه الأخيرة هي بيروت. وكأن في باريس محاصصة دينية تمت على اساسها التقسيمات البلدية او الاختيارية أو النيابية. او "كأن" تقسيمات باريس هي تقسيمات كانتونية لا تقسيمات ادارية. (ومثلها لندن أو سواها). ويمكن الاشارة كذلك الى محاولة البعض من الأقلية تهميش الادارات بنغمة "المحاصصة" أو "الملاصصة" أو الالتفاف على الدستور، والأنظمة المرعية.. فكل السبل مباحة "للقوطبة" على ارادة الأكثرية الشعبية (ونركز على الشعبية بكل ثقة وفخر). وها هي بيروت تختار من جديد لتكون "معبراً" عبر اقتراحات تقسيمها لمحاصصة من شأنها ان تعيدنا (كما سبق ان قلنا) الى "بيروتات" او ميكرو "عواصم" أو "ميكرو" شعوب في منطقة واحدة. عاملوا بيروت في الماضي كساحة صراعات والآن، وبالاساليب السابقة نفسها يعاملونها كقطعة جبنة تُقطع وتقدم على الموائد. وها نحن مع "أكلة الجبنة" (التعبير للرئيس الراحل فؤاد شهاب) الآن، لكن بلعبة خطيرة تعيد ملفات الاتفاقات من الطائف الى الدستور، الى الميثاق.. الى الاعراف، من دون هواجس "وطنية" أو توحيدية او تطويرية. وجدوا ان بيروت استعادت حيويتها، كمركز وكدور وكتعدد، فها لم ذلك، فعمدوا الى طرح تقسيمها ليتسنى لهم "استرجاع" لغة الأحاديات… والشرقية والغربية.. والانعزال: كأنما السيناريوات التي جُربت في اطار الكنتنة في بدايات الحرب، ها هي تستعاد. وكأن موجة "الانغلاق" بين المناطق والناس يُراد لها ان تسترجع زمانها ومواويلها. وكأن مفهوم بيروت هي بيروتات (طائفية ومذهبية) او بيروتات يزرع بذرائع التوازن والحقوق والحاجات "المدينية" والادارية.

وكلنا يعرف ان وراء الاكمة ما وراءها: تفتيت قواعد الأكثرية (تماماً كما فعلوا مع الشهيد رفيق الحريري) لتعميق الحس الطائفي سواء بين حلفاء الصف الواحد (ثورة الأرز) او بينهم وبين 8 آذار. فبدلاً من ان يصمد هؤلاء الذين يصرون على الغاء الطائفية السياسية (لماذا لا يصرون على الغاء الطائفية برمتها!) انسجاماً مع اطروحاتهم الى مواجهة محاولة "تبديد" بيروت واستحضار تذكارات الحروب والخنادق والمعارك.. ها هم يتغاضون عن ذلك. أو ليس في طرح "قسمة بيروت" افكار أوسع يعمم على كل لبنان سواء في ما يطرح في قوانين الانتخابات العتيدة، او البلديات اليوم أم التعيينات. وفي هذا الاطار الا يهدد هذا الطرح منظومة الدولة نفسها، تلك التي يدعي الجميع دعمها وتقويتها وبنيتها ومؤسساتها؟

واذا كان بعضهم، اليوم، يكظم "غيظه" في تقسيم العواصم الأخرى، فما الذي يضمن الا يعطي تقسيم بيروت ذريعة لهؤلاء: فينادون بتقسيم بلديات طرابلس وصيدا وصور بسواها! وعندها تكون النتيجة ان هذه "الاصلاحات" الادارية لم تكن سوى ذرائع سياسية (طائفية او مذهبية) لتفكيك البلد كله، بناسه وتاريخه واداراته ودولته؟ وعندها تكون لنا النتائج ذاتها التي توصل اليها اهل الكانتونات في السبعينات… لكن الآن عن طريق "الالتفاف" والحيلة التي قد تؤدي الى اعتماد سبل اخرى غير مضمونة النتائج. ولا بد هنا من القول ان بيروت ليست مجرد بلدية. فهي اكبر. وليست مجرد "عاصمة" فهي أكبر . وليست مجرد ازقة ومناطق فهي اكثر. وليست طوائف هنا ومذاهب هناك فهي اكبر. وهنا تعود الى مصطلح "بيروت الكبرى" لكن المتعددة على غير قسمة، والمتنوعة على غير تجمع أحاديات، والمفتوحة على غير استباحة، والعالمية على غير استهلاك.. والمزدهرة على غير تهميش، للثقافة والابداع، والفردية والمجتمعية معاً.

"بيروت الكبرى" عندما قسمت تقسيماً جغرافياً فحسب في الماضي قلنا في مقال "بيروت الكبرى ما اصغرها" لأنها افتقدت المدى الثقافي والبعد التاريخي والدور الطليعي.

اليوم، تقسيم بيروت الى عدة "بيروتات" لن يؤدي سوى الى تراجعها وضرب احتمالات نهوض ثقافة مدينية ابداعية متجاوزة. اذ لا يمكن ان تنتج سياسة "الزواريب" وعقلية "الأزقة" المذهبية سوى الخراب وسوى قتل روح المدينة.
بيروت واحدة اذاً بيروت تتنوع وتنمو بشكل طبيعي وتتجاوز نفسها تماماً كما تجاوزتها في السنوات الأخيرة!
نعم! بيروت واحدة لا بيروتان!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل