مع اعلان هذه السنة سنة يوبيلية للقديس مارون أبي الكنيسة المارونية وبعد 1600 سنة على ولادته وبعد كل الظروف القاسية التي عاشها الموارنة وكل ما عانوه من صعاب على مر التاريخ وما قدموه من تضحيات لوطنهم، تراهم اليوم قلقين على وجودهم ومستقبلهم خصوصاً خلال السنوات الثلاثين الاخيرة، مع ما عايشوه من أخطار وأهــوال دفاعاً عن قيم آمنوا بها وناضلوا واستشهدوا من اجلها، وأولها الحرية التي هي مبرر وجودهم وميزتهم في هذا الشرق.
نعم من حق الموارنة ان يخافوا على وجودهم ومستقبلهم وسط منطقة مضطربة، حيث الوجود المسيحي فيها إلى انحسار واضمحلال، وحيث العصبيات والاصوليات الاسلامية إلى تصاعد وتأجج و "تكفير".
نعم من حقهم ان يتمسكوا بحقوقهم وامتيازاتهم، وأن يرفضوا أي شعور بالتهميش والغبن والاجحاف…
ولكن لا يحق للموارنة ان يستكينوا وأن تضعف ثقتهم بأنفسهم وان يتملكهم شعور العجز واليأس. ولا يحق لهم ان يستقيلوا وان يفرطوا بدورهم الريادي والنهضوي، وانما عليهم ان يرفعوا الصوت و "السقف" والا يعدموا وسيلة لاستعادة ما خسروه من دور ووهج…
لا يحق لهم ايضاً ان يفرطوا في تشاؤمهم… فوضعهم ليس بالسوﺀ الذي يتصوّرون شرط ان يحسنوا فعلاً التصرف والتعاطي مع المتغيرات والحقائق الجديدة في لبنان والمنطقة، وشرط ان يتفاعلوا إيجاباً مع قضايا المنطقة واحداثها ويمارسوا سياسة الانفتاح والحوار مع شركائهم في الوطن، تماماً كما فعلوا في السنوات الماضية ما اكسبهم حضوراً مؤثراً وفاعلاً، أدى إلى تحسينات ملموسة في وضعهم وموقعهم داخل الحكم والدولة خصوصاً في السنوات الخمس الاخيرة.
ألم يشعر المسيحيون بأنهم اختاروا، وللمرة الاولى، ممثليهم في البرلمان ولو بالحد الممكن؟ !
أليس متاحاً لهم اليوم امكانية رفض ما لا يناسبهم وقبول ما يعزز وضعهم؟ ! ألم تبق مناطقهم هادئة آمنة وخارج لعبة الشارع والتعبئة والاثارة في وقت كانت كل المناطق تشتعل بالفتنة؟ ! ألم تتوافر اخيراً امكانية التلاقي والتنسيق في أمور وملفات حساسة كالغاﺀ الطائفية السياسية وخفض سن الاقتراع وغيرها.
رغم كل ما اعترت علاقاتهم من شوائب وما يباعد بينهم من خلافات، تسجل للقيادات المارونية (الجميل – عون- جعجع – فرنجية) نقاط ايجابية خلال العام المنصرم، في الانتخابات النيابية الاخيرة لم تحصل انتخابات فعلية إلا على الساحة المسيحية، ورغم شراسة المعارك الانتخابية لم تسجل "ضربة" كف ولم يحدث احتكاك في الشارع، وكان هذا اسطع دليل على ديمقراطية في التفكير والممارسة وإلى ان التعددية السياسية ليست مصدراً وسبباً للخلاف وانما هي دليل غنى وتنوّع…
وبعد تشكيل الحكومة وعندما تم الانتقال إلى ملفات ومسائل داخلية حجبها الصراع السياسي في المرحلة الماضية ووضعها جانباً، حصل التقاﺀ عفوي وموضوعي بين القيادات المسيحية على العديد من هذه الملفات، رفضاً أو قبولاً، وساهمت وحدة الصف المسيحي في خلط اوراق اللعبة والملفات، إلغاﺀ أو تأجيلاً وتريثاً.
وكان هذا دليلاً كافياً إلى ان المسيحيين عندما يوحدون موقفهم ازاﺀ قضية او مسألة تعنيهم وتمس مصالحهم، يكونون قادرين على درﺀ مخاطرها واضرارها وعلى ان يكون في يدهم زمام المبادرة وان تكون لهم الكلمة الفصل…
نقول هذا للتأكيد على أهمية وحدة الموقف السياسي التي تتقدم على وحدة الصف السياسي وتؤسس لها…
ان المصالحات بين القيادات المارونية أمر مرغوب ومطلوب وضروري، ولكنها ليست غاية في حد ذاتها وإنما وسيلة وخطوة على طريق "رؤية استراتيجية موحدة". ولكن ليس المطلوب ولا المرغوب به ان نلهث وراﺀ مصالحات فوقية أو صورية وشكلية لا تستند إلى أساس وإلى مضمون سياسي وتنهار عند اول منعطف وامتحان… كما ليس المطلوب وحدة صف زائفة تقوم على إلغاﺀ قسري للتناقضات والخصوصيات.
على المسيحيين، والموارنة بشكل خاص، ألا يخشوا التنوع السياسي والخلافات السياسية في ما بينهم. فالتنوع هو دليل عافية وهو ما يميّزهم عن غيرهم من الطوائف حيث أحادية الزعامة أو ثنائيتها هي سيدة الموقف في أحسن الاحوال… والخلاف هنا إن وجد لا يعود مشكلة إذا اتفق على تنظيمه. فلا ينتقل في مطلق الاحوال إلى الشارع والجامعات والمدارس وانما يبقى في اطاره السياسي ولا ينتقل إلى المسائل الاساسية الوجودية، فهذه تبقى مسلمات وثوابت لا خلاف عليها.
ان وحدة المسيحيين، والتي هي اساساً من وحدة الموارنة، لا تعني ان يقفوا صفاً واحداً وان يلغوا فوارقهم واختلافاتهم…
وانما يعني ان يقفوا موقفاً موحداً عندما يتعلق الامر بلبنان كياناً واستقلالاً وسيادة وحرية، وعندما يتعلق الامر بوجودهم الحر المميّز ودورهم الفاعل المؤثر. وعندما يحصل ذلك تتوافر أرضية سياسية مشتركة وينفتح باب المصالحات على مداه، مصالحات مبنية على اساس متين ولا تكون مصالحات شخصية مزاجية ولا ظرفية مؤقتة…
على قادة الموارنة ان ينظموا خلافاتهم وينسقوا مواقفهم في المسائل الاساسية والجوهرية. والا يغفلوا ولا يهملوا ثلاثة مبادئ ومواقع أساسية: ١ – الالتفاف حول رئاسة الجمهورية ودعمها فهي مرجعيتهم الوطنية ومصدر قوتهم.
٢ – الاحتكام إلى بكركي مرجعيتهم الدينية ومصدر الهامهم وإرشادهم.
٣ – الانخراط في مشروع الدولة ومؤسساتها وأولها المؤسسة العسكرية لأن الجيش يبقى الضمانة والحماية وعنوان الأمن والأمان…