ما لم تحصل تحوّلات إقليمية ودولية في المنطقة
"العبور إلى الدولة" يتطلّب وقتاً ومفهوماً مشتركاً
بعدما حققت قوى 14 آذار الاستقلال الثاني للبنان بانسحاب القوات السورية من كل اراضيه، تخوض هذه القوى الآن معركة "العبور إلى الدولة" اذ لا معنى للاستقلال من دون وجود دولة ولا معنى لوجود دولة من دون وجود وطن سيد حر مستقل. والسؤال الذي يطرحه الناس هو: كم من الوقت سيتطلبه العبور الى الدولة واي دولة بنظامها وتركيبتها، أهي دولة الطوائف ام الدولة المدنية التي تحتاج اقامتها الى وقت والى توافق بين جميع مكوناتها؟
يجيب ركن من قوى 14 آذار على ذلك بالقول ان الشعب اللبناني عاش نضالات طويلة في كل مرحلة من المراحل وفي كل محطة من محطات لبنان السياسية والتاريخية. ففي زمن الحكم العثماني ناضل سنوات طويلة من اجل التخلص من جور ذاك الحكم وقدم الشهداء من كل المذاهب والمناطق ولم ترهبه اعواد المشانق التي نصبت في الساحة التي تحمل اسمهم. ثم اكمل نضاله من اجل التخلص من الانتداب الفرنسي والحصول على استقلال لبنان التام الناجز لكنه لم ينجح في نضاله من اجل تحقيق استقلال الدولة بعدما نجح في تحقيق دولة الاستقلال، لان الصراع العربي والدولي استمر على ارضه وجعل اللبنانيين ينقسمون بين مناصر لهذه الجهة او تلك علّ طرفا ينتصر على طرف آخر بقوة الجهة التي يناصرها.
وكان الدخول الفلسطيني المسلح الى لبنان بداية فقدان سلطة الدولة اللبنانية وسيادتها وبداية الانقسام الحاد بين اللبنانيين، اذ وقفت فئة منهم مع الجانب الفلسطيني وفئة مع الدولة وضد الوجود الفلسطيني المسلح فكانت الحروب الداخلية الطويلة التي اقامت في لبنان حكم الدويلات والميليشيات وقضت على حكم الدولة والمؤسسات ولم يكن من حل لهذا الوضع الشاذ الا بالتسليم بدخول القوات السورية الى لبنان لتوقف الاقتتال وتخرج الفلسطينيين المسلحين من ارضه الى تونس. وقد دفع اللبنانيون ثمن قيام القوات السورية بهذه المهمة الثمن الغالي من استقلال الدولة وسيادتها وسلطتها، وباتت الوصاية السورية على لبنان هي البديل من الدولة اللبنانية الموجودة صوريا، ودامت هذه الوصاية ثلاثين عاما وكانت هي التي تختار رؤساء الجمهورية ورؤساء المجالس ورؤساء الحكومة والوزراء.
وعاد اللبنانيون الى النضال من اجل التخلص من هذه الوصاية، لكن فئة منهم تتألف من شخصيات مسيحية فقط لم تتوصل الى ذلك رغم مساندة الكنيسة لها بقوة والمجتمع الدولي، الا انها استمرت في نضالها السياسي وبلا كلل، الى ان وقعت جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، فكانت هذه الجريمة البشعة والوحشية كافية لانضمام الفئة المسلمة الى المطالبة بانسحاب القوات السورية من لبنان واستعادة السيادة والاستقلال. وقد نجح اللبنانيون في تحقيق ذلك، لكنهم لم ينجحوا في تحقيق استعادة الدولة السيدة الحرة المستقلة، لان الساحة اللبنانية ظلت مفتوحة لصراعات المحاور العربية والاقليمية والدولية، وبات على اللبنانيين وزعمائهم ولا سيما منهم في قوى 14 آذار مواصلة النضال من اجل العبور الى الدولة، وهو نضال قد يطول لان فئة لبنانية لا تزال تؤيد وجود دولة الى جانبها هي دولة سلاح المقاومة بحجة مواجهة خطر اسرائيل وتحرير ما تبقى من الاراضي اللبنانية.
وكما انقسم اللبنانيون الى مناصر للحكم العثماني ومناهض له، وبين مناصر للانتداب الفرنسي ومناهض له، وبين مناصر للوجود الفلسطيني المسلح ومناهض له، وبين مناصر للوجود العسكري السوري ومناهض له، يواجه العبور الى الدولة الانقسام نفسه بين من يريد ان تكون الدولة دولة قوية قادرة، لا دولة أو دويلات الى جانبها ولا سلطة غير سلطتها ولا سلاح غير سلاحها، ومن يريد ان يكون الى جانبها "دولة المقاومة" التي تستطيع ان تتعايش او تتساكن مع الدولة اللبنانية من اجل ان تواجها معا الخطر الاسرائيلي الداهم وتحرير ما تبقى من الاراضي المحتلة.
لذلك فان "العبور الى الدولة" يتطلب تفاهما وتوافقا بين اللبنانيين او اقله بين القوى السياسية الاساسية في البلاد كما تفاهموا على التخلص من الحكم العثماني وقدموا الشهداء والقبول موقتا بالانتداب الفرنسي ثم اتفقوا على التخلص منه ونالوا الاستقلال، ثم اتفقوا بعد خلاف على المطالبة بانسحاب القوات السورية من كل لبنان وانهاء حكم الوصاية السورية عليه.
لكن لا شيء يدل حتى الآن على ان اللبنانيين سيتفقون على قيام الدولة القوية القادرة التي لا دولة سواها ولا سلطة غير سلطتها ولا سلاح غير سلاحها ما دام الوضع العربي والاقليمي والدولي على حاله، وازمة المنطقة التي يبدأ الخروج منها بحل القضية الفلسطينية ومن ثم بانهاء الصراع العربي – الاسرائيلي توصلا الى توقيع اتفاقات سلام لم يتحقق. فاللبنانيون لم يتخلصوا من حكم الدولة العثمانية الا بانتصار دول الغرب في الحرب العالمية الاولى وهزيمة تلك الدولة. ولم يتخلصوا من الانتداب الفرنسي الا بعدما انهزمت فرنسا امام المانيا النازية، واصبحت الكلمة في المنطقة لبريطانيا. ولم يتخلصوا من حكم الدويلات والميليشيات الا بدخول القوات السورية الى لبنان، وهذه القوات لم يتم التوصل الى اخراجها من لبنان لا بالاجتياحات الاسرائيلية ولا بواسطة "القوات اللبنانية" ولا بحرب "التحرير" التي اعلنها العماد عون، بل اخرجها اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه الذي وحّد اللبنانيين فكان لهم "الاستقلال الثاني". لكن هذا الاغتيال وما تبعه من اغتيالات لخيرة رجالات لبنان لم يحقق بعد قيام الدولة السيدة الحرة المستقلة بسبب استمرار انقسامهم حول مفهوم هذه الدولة هوية ونظاما وكيانا، وان طريق العبور اليها قد يطول مع استمرار الازمات والمشكلات التي تتخبط فيها المنطقة وعدم التوصل الى حل لها، ولبنان هو جزء منها ومرآة تعكس ارضه لعبة الامم وصراع هذه الازمات.