#dfp #adsense

عندما يتدخل الاسد مجددا في شؤون لبنان

حجم الخط

جورج أبو صعب*

كم يلزمنا من الوقت والجهد والمثابرة والصبر والايمان كي يقتنع من لم يقتنع بعد بان النظام السوري ليس في وارد الكف عن التدخل في الشؤون اللبنانية ؟

سؤال عاد ليطرح نفسه بقوة غداة التصريح الذي ادلى به الرئيس السوري بشار الاسد لصحيفة "نيويوركر" الاميركية والذي اشار فيه الى ان اندلاع الحرب الاهلية في لبنان لا يحتاج لاكثر من ايام وان الحل يبقى في تغيير النظام اللبناني …

فبغض النظر عن الصدمة التي شعرنا بها من هذا الكلام بعد اشاعة الاجواء مؤخرا وغداة زيارة الرئيس سعد الحريري الى الشام واجتماعه بالرئيس السوري – وما حكي ويحكى الى الان من ان البلدين على طريق اعادة بناء علاقات الثقة بينهما واستعادة الاحترام المتبادل بينهما على اساس علاقات الند الى الند – فاذا بكلام خطير كمثل كلام الاسد
لـ"نيويوركر" تعود لتطرح اكثر من تساؤل عن توقيته ورسائله ومضامينه واهدافه وحتى اسلوبه وصحته.

1- فالرئيس السوري اولا عندما يتكلم عن سهولة اندلاع حرب اهلية في لبنان – وبغض النظر عن حقيقة الامر ام لا – نراه يطرح الموضوع وكأن الحرب الاهلية في لبنان – لعبة يتسلى بها الحكم في سوريا كلما اراد زعزعة الاستقرار لمواجهة الغرب – فلبنان بنظر الاسد رهينة بيد سوريا محكومة بالقبضة السورية المتمثلة في الداخل بالطوق السياسي المفروض من "حزب الله" على الدولة والقوى اللبنانية الداخلية من خلال ابتزاز السلاح ورؤية الحزب لمهامه التي تجاوزت مجرد لبنان لتصبح مرتبطة مباشرة بايران والمحور الايراني – السوري، وفي الخارج بوجود تحالف ايراني – سوري – حماسي – حزب اللهي – يكفي لخنق قدرة لبنان على الخروج بموقف او رأي لا يوافق عليه الشيعي اللبناني و"حزب الله" تحديدا .

فهذا الكلام السوري يخفي استخفافا من الرئيس الاسد بوضع لبنان لكونه يود افهام الرأي العام بان لبنان دولة حدودية جارة هشة لا امل فيها للسلام والهدنة – بغية تصوير لبنان على انه بؤرة قلق وفوضى يجب التصدي لها – وافضل تصدي هو اعادة التكليف السوري لها من الاميركيين انطلاقا من ان لبنان لن يستقر الا بنظام جديد اثبت الحكم السوري في ايام النظام الامني اللبناني – السوري نجاعته على حساب القانون وحقوق الانسان وضمانت الدستور اللبناني. وقد نسي الاسد ان اي حرب اهلية في لبنان لن تبقي سوريا في منأ عنها ما ينعكس بالنهاية على امن سوريا واستقرارها – الاستراتيجي والتكتيكي.

2- ان الكلام الصادر من الرئيس السوري عن لبنان وبالشكل الذي حصل فيه – يعتبر ضربا لنتائج زيارة الرئيس الحريري التفاؤلية واجواء الانفتاح وقلب صفحة جديدة لطالما اعلنها المسؤولون السوريون قبل واثناء وبعد الزيارة – فاذا بهم يعودون الى التدخل في الشأن اللبناني وعدم الاكتراث بان لبنان دولة سيدة وحرة ومستقلة – كي يصل الرئيس الاسد الى توصيف الحل واعطاء الحلة بضرورة تغيير النظام … علما ان تغيير النظام موضوع لبناني داخلي لا شأن لسوريا ولا لغير سوريا فيه – ثم يأتي السؤال: ماذا يريد الاسد من تغيير النظام؟ واي نظام يقصد؟ واي نظام يناسبه؟

فالاسد تجاوز مجددا خطوط اللياقة اولا واحترام زيارة الرئيس الحريري والوعود التي قطعها الاسد للغرب ولا سيما للرئيس الفرنسي بعدم التدخل بالشأن اللبناني – وقد يكون قد افصح بذلك عن حقيقة كامنة في نفس النظام في سوريا من ان لبنان لا يزال بالنظرة السورية مقاطعة سورية او حديقة خلفية لسوريا – وان لبنان لا يمكن ان يكون خارج الجناح السوري – وبالتالي كم هو صعب على النظام السوري تقبل فكرة لبنان سيد وحر ومستقل لا يتدخل في شؤونه احد لا من قريب ولا من بعيد.

3- ان كلام الاسد عن ايام لاشعال الحرب الاهلية في لبنان – ينطوي على تهديد للغرب والاميركيين تحديدا من ان سوريا قادرة على احياء الحرب الاهلية وعلى اعادة زرع الفوضى والدمار والتقاتل في لبنان اما طائفيا او اما سياسيا او ميدانيا.

ويبدو ان الرئيس الاسد وصل الى مفترق في سياساته الاقليمية والدولية – فلا يريد مزيدا من الانكشاف الاعلامي والسياسي تجاه حليفه الكبير النظام الايراني الذي لا ينظر بعين الرضى والارتياح الى استعدادات دمشق بالعودة الى المفاوضات مع اسرائيل من خلال وسيط – كما انه لا يريد السكوت اكثر عن مطالبته بالاثمان التي لم يقبضها بعد من السعودية والغرب من جراء عدم تدخله بالانتخابات النيابية اللبنانية وافتتاح علاقات ديبلوماسية بين البلدين على مستوى السفراء الى ما هنالك من خطوات قامت بها دمشق وصولا الى تسهيل ولادة الحكومة الحريرية الثانية ( اي الحالية ) بعد تحريكها لحليفها المسيحي (الوزير سليمان فرنجية) على خط الوساطة وتزليل العقبات – فكلها مبادرات اتخذتها دمشق ولم يصلها اي مردود منها الى الان – وبالتالي فان حديث الرئيس الاسد عن حرب اهلية لبنانية مجددا يثير مخاوف الغرب والسعودية وقد يكون مؤشرا الى تعقيدات جديدة بين النظام السوري وكل منهما برزت مؤخرا – ما دفع بالرئيس الاسد الى التلويح مجددا بـ "الورقة اللبنانية " التي وللاسف وبفضل امثال الوزير السابق وئام وهاب و"حزب الله" وسواهم – تبقى الى الان وحتى اشعار اخر – ولحين اقتناع النظام السوري بحرية واستقلال لبنان – ورقة ضغط رابحة – وفي الوقت عينه ورقة رهينة.

4- في كلام الرئيس الاسد تدخل في الصيغة اللبنانية للحكم – فليس هو من يقرر ان النظام بحاجة الى تغيير او تعديل – وليس هو من يبشر بسهولة اندلاع الحرب الاهلية – فرسالة استمرار امساك دمشق بالوضع اللبناني وتحذير الغرب من مغبة التعدي على سوريا – كانت واضحة في كلام الاسد – وبالتالي فان هذا الكلام يأتي ليؤكد الهوة الكبيرة الواقعة بين اللبنانيين والنظام السوري – لان الاخير لا يزال لا يظهر الى الان استعدادا كاملا للاعتراف باستقلال لبنان وسيادته على اراضيه – وهو يلجأ الى المواقف الاعلامية والصورية فيما اللب الاساسي غائب – فلا قناعة لدى السوريين بان للبنان مصالح كأي دولة في المنظومة الدولية – ولا قنلعة لدى الحكم في دمشق بان لبنان دولة سيدة وحرة ومستقلة في مواقفها وتحديد اولوياتها وخياراتها … ومع ذلك يستمر التدخل السوري ويستمر بالتالي مسلسل تحريك سوريا لادوات لبنانية محسوبة عليها ساعة تشاْ ومع من تشاء – وصولا الى تحريك وسائل الاعلام السورية كالوطن والبعث وسواهما من صحف دأبت على التدخل الليومي بالشأن اللبناني وعلى ابداء الاراء واحيانا كثيرة الاحكام وسواها من مخالفات .

فنسأل الرئيس الاسد لو ان صحيفة لبنانية كتبت في الصفحة الاولى او الثانية او على اي صفحة كلاما يتضمن توصيف النظام السوري بانه بحاجة لتغيير وبان النظام غير جيد وبان سوريا بحاجة الى نظام قوي وعصري – افلن يعتبر هذا الكلام من صحيفة لبنانية تدخلا في الشأن اللبناني؟

من هنا فان النظام السوري لا يزال يحاول تلقف فكرة ان للبنان مصالحه وضروراته التي لا يمكن ان تمر بعد المصالح السورية بل قبلها في لبنان – وان ثمة فريق من اللبنانيين اكثري او حتى … اقلي لا يثق بالحكم السوري – فنتساءل كيف يستطيع الرئيس السوري بناء علاقات ثقة وفتح صفحة تعاون جديدة مع لبنان في ظل ارتياب نصف او اكثر او اقل شعب لبنان بالنوايا والاستعدادت السورية الحقيقية؟

وهنا تستحضرنا معادلة سمعنا بها مؤخرا ومفادها بأن دمشق تحاول – لا بل حاولت – فصل قوى "14 اذار" الاساسية عن بعضها تمهيدا للاستفراد بكل واحدة منها – فحاولت اجتذاب الرئيس الحريري ونجحت في حمله على زيارتها فاستثمرت الزيارة للدلالة على حصول ما تعتبره " انعطافة سنية " حريرية باتجاهها تلاقي الانعطافة الجنبلاطية التي لا تزال دمشق تتعالى عليها حتى الساعة لمزيد من الضغط والتنازلات على زعيم المختارة وليد جنبلاط – وحاولت اشاعة اجواء عزل مسيحيي 14 اذار وتحديدا القوات اللبنانية – قبل واثناء وبعد زيارة الحريري لاظهار الوضع على انه استيعاب للسنة وابعادهم عن حلفائهم المسيحيين في 14 اذار تمهيدا للانقضاض السياسي والامني ربما عليهم مجددا وبالتالي العودة الى الساحتين اللبنانيتين الامنية والسياسية من الباب العريض لفرض امر واقع مع حلفاء سوريا من الداخل اللبناني – فاذا بالرئيس الاسد في تصريحه المفاجىء الاخير يبدو اما انه قطع امل تقسيم وتفتيت صفوف 14 اذار وبالتالي استفراد القوى الاساسية فيها – واما انه يعتبر انه بات بامكانه الحديث عن لبنان والتدخل في شؤونه مجددا انطلاقا من ان "تيار المستقبل" ( السني الاكثري ) قد "دجن" سوريا ( وعذرا لاستعمال هذه العبارة من اخوتنا واحبائنا في "تيار المستقبل" ) وان الدروز يسترضونها والشيعة حلفاؤها والعماد عون نصيرها الجديد في لبنان – ما يعطي السوريين المزيد من المعنويات وجرعة جديدة من الاندفاعية في التدخل في الشؤون اللبنانية .

من هنا تدخل الوزير المعلم اعلاميا للاشارة بان سوريا مستعدة للتورط في حرب مع اسرائيل ان هي اعتدت على لبنان وحزب الله تحديدا – فكأن الوقت في سوريا اليوم واجواء النظام السوري اليوم عادت الى زمن التدخل والكلام باسم لبنان …

فانطلاقا من هذه الملاحظات اعلاه وامام خطورة المواقف الاخيرة للرئيس الاسد – نرى انه على الدولة اللبنانية ان تستدعي السفير السوري على عجل لاستيضاحه حيثيات وظروف واهداف كلام الرئيس السوري – تمهيدا لاتخاذ موقف على مستوى لبنان الرسمي – ليس من الضروري ان يكون متشنجا – ولكن اقله ان يكون صريحا وواضحا ضمن اصول الاحترام المتبادل والصراحة الموعود بها اللبنانيون في الصفحة الجديدة من العلاقات الثنائية .

كما نرى وجوب ان يقوم الرئيس اللبناني العماد ميشال سليمان بطلب عقد قمة لبنانية – سورية او انعقاد المجلس الاعلى (طالما لا يزال معمولا به الى الان رغم موقفنا المبدئي الداعي الى الغائه لعدم دستوريته وقانويته ) للبحث في ما تخطط له سوريا ويمس بلبنان وسيادته ومصالحه – لافهام الرئيس السوري الموقف اللبناني الرسمي من اعلى الهرم في الجمهورية وتوضيح نقاط الاستفسار والاستفهام العديدة التي اثارتها مواقف الاسد الاخيرة من لبنان ونظامه .

انها خطوات الحد الادنى المقبولة والواجب اعتمادها ان كنا فعلا نريد اثبات ندية العلاقات بين البلدين واذا كنا نريد فعلا فتح صفحة جديدة من الشفافية والصراحة بين البلدين – انما السكوت عما قيل وعما افصح عنه الاسد – بعد الوعود المقطوعة بعدم التدخل في الشأن اللبناني – فانه يعد من قبيل الانقلاب الخطير على الوعود وعلى التوافق السوري – السعودي والسوري – الفرنسي والسوري – الغربي اجمالا … وخلط جديد للاوراق الاقليمة والدولية كي لا نقول فقط المحلية اللبنانية – لان الحديث عن النظام اللبناني وتغييره انما ينذر بشيء ما يمهد الطريق امام استباحة جديدة للساحة اللبنانية لاهداف غير لبنانية مرة اخرى ولكن للاسف بايادي لبنانية وادوات الداخل كما بات معروفا.

*محام وخبير قانوني

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل